فهرس الكتاب
الأنبياء انقطعوا؛ فهو حين إطلاقه لتلك المقالة لم يرد انقطاع الوحي وختم النبوة حتى يستساغ تأويله ويكون ذلك مانعا من تكفيره.
بل الصحيح؛ حمل مثل هذه اللفظة على عرف أهل البلد التي يعيش فيها ذلك الرجل، لا أن تفسر بأصلها اللغوي الذي لم يقصد إليه ولا خطر على باله أصلا حين تلفظ بهذا اللفظ بالعامية؛ فالمعلوم عندنا اليوم كما في عرف أهل بلادنا الذين يستعملون هذه المسبة فيما بينهم، أن العامة يستعملونها على وجه السب والطعن والأذى؛ بغض النظر عن كونها سبة غير شديدة ولا فاحشة؛ فيكفي أن المتفق عليه أنها مسبة وأذى وليست مدحا.
وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: من الآية61] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [(الأحزاب:57] .
ومما استدل به شيخ الاسلام في"الصارم المسلول"على كفر شاتم الرسول من دلائل من هذه الآية أنه سبحانه: {لعنهم في الدنيا والآخرة} ، واللعن: الإبعاد عن الرحمة ومن طرده الله عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرًا.
وأيضًا: كونه ذكر في حقهم"العذاب المهين"، ولم يرد ذكر العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار، قال تعالى: {وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} [الأحزاب: 57] ، وقال: {وللكافرين عذاب مهين} .
وأيضًا يدل على ذلك؛ أن الله قد ذكر أن العذاب المهين قد أُعدَّ لهم إعدادًا، والعذاب إنما أعدَّ إعدادًا للكافرين، لأن جهنم إنما خلقت لهم مَوْئِلًا لا يستطيعون عنها حولًا وما هم منها بمخرجين؛ قال تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} .
وقد ذكر هذا الوعيد كله في حق من آذى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أي أذى؛ وقد ذكر شيخ الإسلام في"الصارم"أن الأذى: (اسم مطلق ليس مقيدا بنوع ولا بقدر) ، وقال: (وقليل السب وكثيره ومنظومه ومنثوره أذى بلا ريب فيتعلق به الحكم) أهـ [الصارم: 85] .
إلى غير ذلك من الدلائل النفيسة التي ذكرها شيخ الإسلام في كتابه"الصارم"؛ ولنا منه اختصارا منشورا.