فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 1052

وقد حذر سبحانه خيرة الخلق بعد الأنبياء - أعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - من أن مجرد رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن يكون سببا من أسباب حبوط أعمالهم؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .

ومعلوم أن حبوط الأعمال إنما يكون بالكفر، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} [البقرة: 217] ، وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] .

فإذا كان رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم من غير قصد ولا شعور يُخشى على صاحبه إن فعله من حبوط العمل الذي لا يكون إلا بناقض من نواقض الإسلام، فكيف بسب النبي صلى الله عليه وسلم أو بسب جميع الأنبياء بقصدٍ وشعورٍ وعن عمدٍ؟ لا شك أن فاعل هذا يحبط عمله من باب أولى ويكون كافرًا مرتدًا كيفما كانت المسبة.

فلا ينبغي التساهل بذلك أخي الفاضل، خصوصا مع تجرء الرعاع على دين الله واستهتارهم بحرماته وتطاولهم على شرعه، ولا ينبغي الترقيع لأمثال هؤلاء المتطاولين على الأنبياء، أو محاولة التأول لهم وتهوين جريمتهم بدعوى أن فلانا فعلها لأول مرة أو أن لكلمته تأويلا ومعنى تقبله اللغة العربية.

فهم لما تكلموا به لم يقصدوا مدلولات العربية بل قصدوا المعنى العامي الذي يتكرر في ألفاظهم في حق بعضهم البعض ولأنه لا يخلوا طاعن وساب ومستهزء من أن يورد لسبه واستهزائه وطعنه أعذارا ومخارج مقبولة عنده وربما عند غيره، كالذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاستهزؤوا بحفظة كتاب الله، فأنزل الله تعالى قرآنا كفرهم فيه بعد أن كانوا مؤمنين، مع أنهم ادعوا أن قصدهم بذلك الكلام لا الطعن في الدين بل التسلية لتمضية الوقت والتحدث بحديث الركب ليقطعوا به الطريق، فقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 65 - 66] .

فالمطلوب من الرجل المذكور؛ أن يندم على هذا الذنب العظيم ويقلع عنه ويتوب إلى الله منه ويعزم على عدم الرجوع إليه ويجدد إسلامه، وليعرف أنه لو كانت دولة الإسلام موجودة وسلطانها قائم في الأرض فإن أمثاله - كما بيّن شيخ الإسلام في"الصارم المسلول"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت