فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 1052

فقد روى الإمام الطبراني حديثًا صحيحًا، عن عابس الغفاري (وهو أحد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-) ، أنه كان في الشام زمن الطاعون، وكان جالسًا على عِليّه مع بعض أصحابه، وراء الناس يخرجون -أي: يفرّون من الطاعون-، فقال داعيًا على نفسه: يا طاعون خذني! يا طاعون خذني! يا طاعون خذني!، فقيل له: ألم ينه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تمني الموت؟! فقال: بلى، ولكنني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:"بادروا بالأعمال ستة: إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم، وليس بأكثرهم فقهًا".

فهذا الحديث العظيم عندما نتدبره، نرى أن أكثر هذه العلامات التي نبه إليها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر أصحابه بالمبادرة إلى الأعمال قبل أن يدركوها، وباغتنام الفرصة والعافية قبل أن تأتيهم مثل هذه الدواهي المدهية، فتشغلهم ويُبتلون بها، هذه نراها اليوم في زماننا منطبقة كلها، بل قبل زماننا بقرون.

فحذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أول ما حذّر من"إمارة السفهاء، ولا شك أن طواغيت الزمان ومن يُسمون اليوم -من يسميهم علماء السوء- بولاة الأمور، وهم حقيقة ولاة الخمور، وولاة المعاصي والشرور، هؤلاء اليوم هم أقل ما يُقال فيهم أنهم سفهاء، وإذ أقصد بالسفاهة:"السفاهة الصغرى"، وهي كما عرّفها العلماء: ضعف العقل، بأن لا يستطيع الإنسان أن يتولى أموره بنفسه، وهي السفاهة التي ذكرها الله -عزَّ وجلَّ- في قوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا} ، فهذه السفاهة الصغرى، وهؤلاء القوم جمعوا بين هذا النوع من السفاهة وبين"السفاهة العظمى"، وهي التي تلزمهم اليوم، وتجعلنا ندعو إلى تكفيرهم، والبراءة منهم، وجهادهم، والخروج عليهم، فهذه السفاهة العظمى هي لازمة لهؤلاء القوم؛ لأنهم قد رغبوا عن ملة إبراهيم (عن التوحيد) ، واستبدلوه بتنديد وبشرك، واستبدلوا شرع الله الواحد القهار بشرائع الأرباب المتفرقين، واستبدلوا دين الله والقرآن العظيم بدساتير أرضية وقوانين وضعية وضيعة."

هذا كله يدل على سفاهتهم الصغرى والعظماء (جمعوا بين نوعي السفاهة) ، وهم من النوع الذين قال الله فيهم: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} ، فهؤلاء القوم عندما يُقال لهم: طبقوا شرع الله، وارجعوا إلى دين الله، قالوا: الناس في تطور، والناس الآن في حضارة، والناس في رُقي، والناس وصلت القمر، وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت