والأمة اليوم مقهورة بحكم الطواغيت مفروضة عليها هذه القوانين، فمن شايعهم وناصرهم ورضي بقوانينهم أو ناصرهم عليها فهو منهم، ومن كان مستضعفًا لا يرضاها ويبرأ منها ويبغضها ولو بقلبه ولا يظهر ما يناقض ذلك ولا ينصرها، فبأي شيء يكفر إلا بالغلو؟!
ولو أردتُ أن آتي بأمثلة من هذه القوانين وما فيها من شنائع ثم أُلزم الغلاة بإلزامات لو الْتزموها لكفروا الناس أجمعين، لطال بنا المقام، ولكن لكل أحد أن يقرأ أهداف كل وزارة وأهداف كل نقابة وما شرعت قوانين الجنسية والجوازات والأحوال المدنية بل والمرور والصحة والبلديات وقوانين العمل والعمال من أجله؛ ليتعرف على هذه الحقيقة التي يتعامى عنها الغلاة في انتقائيتهم، وليعلم بعد ذلك أن كل ذلك منسجم مع الأصل العام الذي تسير الدولة على خطوطه العريضة ونصوصه الأساسية ألا وهو الدستور.
والتعاطي مع هذا بجهل هو ما حدى بغلاة المكفرة وآلَ بهم إلى تكفير العباد والبلاد، ولم يحكم كثير منهم بالإسلام إلا لأنفسهم وأفراد معدودين معهم!
ولكن المقرر عند أهل العلم الراسخين أن لازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يشعر به صاحب المذهب فيلتزمه ويرتضيه، وأن الإنسان لا يؤاخَذ بفعلٍ انتفى قصده فيه وجهل أو ذهل عن المراد منه، بحيث يكون كالأعجمي الذي يتلفظ بلفظ كفري لا يعرف معناه، ولا يتقحم تكفير الناس بمثل ذلك إلا من لا يرفع بشروط وموانع التكفير رأسًا، ويغرف من أخطاء التكفير غرفًا، ويجرف في تكفير الناس جرفًا، ولا يرحم مستضعفًا تجاوز الشرع عنه وعفا، ولا يتذكر ويعتبر بقوله -تعالى-: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} ثم يرتب على ذلك الجهل والتخبط في التكفير من استحلال الدماء والأموال المعصومة ما يوبق به دنياه وأخراه.
وقبل أن أختم هذا أقول لهؤلاء الغلاة المتهورين: لماذا استتبتم المدرسين مع احتمالية وجود من لا يعمل ولا يطبق أهداف النقابة ولا يؤيد قوانينها التي تعمل لأجل نشر الكفر؟ ولم تكفِّروا الآباء الذين سمحوا لأولادهم تلقي هذا الكفر الذي تهدف إليه النقابة والذي أَسست الدولة مدارسها من أجله؟ بل يجبرون أبناءهم ويأطرونهم أطرًا عليه، ويعاقبونهم على تقصيرهم في الذهاب إليه!
فكفرتم كل من أقر الكفر الذي ذكرتموه في النقابة أو رضي به، ولم تكفروا من أمر بذلك الكفر وأجبر عليه وعاقب على تركه!!