-قد نبهت في مواضع من ردودي على أهل الغلو؛ أنهم يتكئون في غلوهم واختياراتهم الشاذة التي يكفرون بها الناس دون مسوغ شرعي على إطلاقات للعلماء المعتبرين عند أهل السنة.
وكم نقلوا أيضا من كتاباتي"ملة إبراهيم"و"الكواشف"و"كشف النقاب"و"إمتاع النظر"و"تبصير العقلاء"وغيرها سواء بينوا وعزوا أم كتموا وسكتوا.
-وقلت مرارا أيضا أنهم إن أرادوا الاحتجاج بأقوالنا وأقوال سلفنا من أهل العلم المعتبرين لتقوية غلوهم وتدعيمه والاستدلال به فلن يقدروا على ذلك إلا بالبتر، والفصل من السياق، أو تأويل الأقوال بصرفها عن مرادنا إلى مرادهم الباطل بتحميلها ما لاتحتمل، أو بأخذ موضع مجمل بمعزل عما يبينه، وموضع مختصر دون جمعه بما يُفَصِّله ويُفسِّره.
وقد بيَّن العلماء أن هذه طريقة أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل بعزل الكلام المطلق عن مقيِّده والمجمل عن مفسِّره وهكذا.
وقد قال الشاطبي:(ولذلك لا يقتصر ذو الاجتهاد على التمسك بالعام مثلا حتى يبحث عن مخصصه، وعلى المطلق حتى ينظر هل له مقيد أم لا؛ إذ كان حقيقة البيان مع الجمع بينهما؛ فالعام مع خاصه هو الدليل، فإن فقد الخاص؛ صار العام مع إرادة الخصوص فيه من قبيل المتشابه، وصار ارتفاعه زيغا وانحرافا عن الصواب.
ولأجل ذلك عدت المعتزلة من أهل الزيغ؛ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} وقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}
وتركوا مبيّنه وهو قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}
واتبع الخوارج نحو قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه} ، وتركوا مبينه وهو قوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} وقوله: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} .
واتبع الجبرية نحو قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}
وتركوا بيانه وهو قوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وما أشبهه.
وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل؛ لوصلوا إلى المقصود، فإذا ثبت هذا؛ فالبيان مقترن بالمبيّن، فإذا أخذ المبيّن من غير بيان؛ صار متشابها، وليس بمتشابه في نفسه شرعا، بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم؛ فضلُّوا عن الصراط المستقيم) اهـ.