الإسلام تارة وتخالف أخرى) اهـ.
وعليه فنصيحتي بناء على ما تقدم أن تستعملوا مع الأصناف المذكورة في سؤالك السياسة الشرعية النبوية تبعا للمرحلة التي تمرون بها وتبعا لظروف المجاهدين وإمكاناتهم وحاجتهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل الناس أجمعين دفعة واحدة بل قدم الأهم وأجل كثيرا من الكفار وترك قتالهم ومصادمتهم ولم يذعر على المدينة والمسلمين جميع الكفار مرة واحدة، بل هادن بعضهم وعاهد البعض الآخر وحالف آخرين كما فعل مع اليهود عند مقدمه إلى المدينه فقد حالفهم على أن ينصروا المسلمين وأن لا يخونوهم ولما نقض بعض طوائفهم الثلاث عاقب الناقض وترك الآخرين على ما أقرهم عليه إلى أن نقضت كل طائفة عهدها، وكذلك أهل النفاق لم يتعرض لكثير منهم أول الأمر للمفسدة التي كانت ستترتب على قتلهم لو فعله بادي الرأي لتفرق شمل الجماعة المسلمة حديثة العهد بالاسلام ولتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكان في ذلك صدا عن الإسلام، وكذلك كان حال الصحابة في الحبشة فهم وإن أظهروا معتقدهم ولكنهم عاشوا مهاجرين مستضعفين وسط كفار ولم يلزمهم قتالهم في الوقت الذي كان إخوانهم في المدينة يقاتلون المشركين، وكيف يقاتلونهم وهم آوين إليهم يساعدونهم وينصرونهم ممن ظلمهم بأمر ملكهم الذي أسلم بعد ذلك والشواهد كثيرة تدل على أن استفادتكم مما يقدمه بعض الأصناف المذكورة في ظروف ما قبل التمكين لا حرج فيه ما دمتم مظهرين عقيدتكم ودينكم، كما كان يستفيد النبي صلى الله عليه وسلم من إيواء عمه ونصرته له وعمه مقيم على شركه وعلى عبادة الأوثان، وحتى لو اضطر بعضكم لكتمان دينه وعقيدته في بعض الظروف ولم يظهر عداوته للكفار لمصلحة الجهاد او بسبب الاستضعاف في بعض المراحل والأحوال فذلك أيضا لا حرج فيه ولا ينافي ملة إبراهيم مادام مستضعفا أو مادام إخوانه المجاهدون هم من كلفه بذلك وهم مظهرون أصلا لما لم يظهره قائمون بهذا الواجب الكفائي أعني إعلان هذه الملة العظيمة، وهذا كان حال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فبعضهم كان يظهر إسلامه وعداوته للمشركين كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم كان يكتم ذلك لاستضعافه وعدم قدرته عليه وبعضهم كان يكتمه عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمرو بن عبسة بل وكان بعض ذلك في المدينة كما في قصة نعيم بن مسعود في ظل ظروف غزوة الأحزاب الذين تكالبوا على المسلمين ودولتهم.
والخلاصة أن للمجاهدين الاجتهاد في اختيار السياسة الشرعية النبوية التي يرونها تتناسب وحالهم وظروفهم والمرحلة التي يمر بها جهادهم، فمن رحمة الله سبحانه أن وسع علينا في هذا الباب فمر رسولنا صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأوائل معه في مراحل متنوعة وظروف شتى بدأوا فيها غرباء كما عدنا نحن غرباء حتى مكن الله لهم وأعزهم، ولنا فيهم