وعن ملة إبراهيم عليه السلام ما يعجب الطواغيت وأنصارهم ويرضيهم عنها، وبقدر ذلك الانحراف يكون الالتقاء مع المشركين وبقدره يكون رضاهم عن الداعية، وبقدر التزامه بدعوة الأنبياء والمرسلين وملة إبراهيم عليه السلام تكون عداوتهم له.
ومن العجائب - والعجائب جمة عند هذا الناصح - استدلاله بقوله تبارك وتعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ، فما لهذا والسلام على المشركين وإظهار المودة لهم وتهنئتهم والسكوت عن باطلهم والإمساك عن تكفيرهم؟! أليس في سماعهم لكلام الله تعرية لشركهم وآلهتهم الباطلة وذمًا لعقيدتهم الفاسدة والبراءة منهم وتكفيرهم؟ ثم عندما نجيرهم هل يتغير حكمهم ووصفهم عندنا، فلا يعودون مشركين؟! ألم يسمهم الله مشركين حتى حال إجارتهم وقبل سماعهم لكلام الله تعالى؟!
أما مساواته بين الوظائف المختلفة في الدولة الكافرة، بأن جعل الطبيب ونحوه تمامًا كالجندي والشرطي وغيرهم من أنصار التشريع الوضعي، فهي مجازفة أخرى من مجازفاته، إذ أن العلماء قد فصلوا في العمل عند الكفار والمشركين، ولم يجعلوا لكل أنواع العمل عندهم حكمًا واحدًا، كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري عند كلامه على حديث خباب بن الأرت وعمله عند العاص بن وائل، حيث بين أن العلماء كرهوا العمل عند اهل الشرك إلا للضرورة، واشترطوا شروطًا منها:
1)أن لا يكون العمل فيه إعانة على معصية.
2)أن لا يكون العمل فيه إظهار عورة من عورات المسلمين.
3)أن لا يكون في العمل مذلة للمسلم.
ولاشك أن من ذلك أن لا يكون فيه نصرة أو تول لهم أو لباطلهم، لأن الله تعالى يقول: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، فلا يقال إن جميع الوظائف في هذه الحكومات كفر أو حرام، بل لا بد من التفصيل:
-فما كان فيه ممارسة للسلطة التشريعية فهو كفر.
-وما كان فيه تول ونصرة للطاغوت وشرائعه فهو كفر كذلك.