فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 1052

وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ

بقلم الشيخ؛ أبي محمد المقدسي

عندما كنت أخرج رأسي من طاقة باب زنزانتي بعد منتصف الليل - وهو شيء محظور طبعا - وكنت أرى الحارس نائما مسندا ظهره إلى الحائط وكأنه جالس خشية أن يتنبه لنومه أحد، إذ أن ذلك شيء محظور قد يدخله في زنزانة مماثلة للتي أنا فيها .. كنت أتذكر قول الله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) .

ولذلك كنت أحيانا أسهر الليل واقفا إلى الطاقة أدعو بعضهم للبراءة من الشرك والتنديد وأشرح لهم حقائق التوحيد مستحضرا هذا المعنى الذي اسفتحه الله بقوله: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) .

وعندما كنت أرى أولئك العساكر الكادحين في سبيل الطاغوت لا يرجعون إلى أهليهم في أيام الأعياد التي كانت تمر علينا في الزنازن وتمر الأسابيع دون أن يرون أولادهم وأمهاتهم وزوجاتهم كنت أقول لبعضهم:"أنتم سجناء مثلنا إلا أن الفرق بيننا شاسع؛ أنتم تحرمون أنفسكم من أولادكم وصلة أرحامكم وأمهاتكم في العيد وفي غيره في سبيل مرضاة الطاغوت وفي سبيل راتب قليل لايكاد الواحد منكم يستلمه حتى يوزعه على دائنيه، ولذلك تملون وتتأفأفون وتشتكون؛ أما نحن فنحتسب عند الله كل دقيقة تمر بنا هاهنا سواء في العيد أم في غيره، وما نناله من نصب أو ضيق أو أذى وبعد عن الأهل والأولاد والأمهات نحتسبه في سبيل الله وننتظر ثوابه العظيم الذي لا يبيد من الله تعالى؛ فأنتم محرومون في هذا العيد ونحن محرومون ولكننا نرجوا من الله ما لا ترجون"..

وعندما كنت أطلب للتحقيق في أوقات متاخرة بعد منتصف الليل وأرى المحقق محمر العينين يتثاءب وقد أحرق العديد من علب السجائر كنت أستذكر الآية نفسها ..

واليوم عندما أسمع بأنهم يأتون إلى بيتي مرارا وتكرارا بعد منتصف الليل أو قبل الفجر - وهم لا يعرفون صلاة الفجر - وأعلم أنهم يقفون في أوقات متعددة قريبا منه مساء أو في نحر الظهيرة وتحت أشعة الشمس الحارة ينتظرون عودتي أستذكر هذه الآية العظيمة؛ (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت