فهرس الكتاب

الصفحة 799 من 1052

كانت أيامًا مباركة اشتغلنا فيها بطلب العلم والدعوة إلى الله في السجن بين العساكر والضباط والمسئولين الذين كانوا يزورون السجن في بعض الأحيان، ومع سائر النزلاء والمسجونين الذين كانوا يتداولون ما أكتب وينسخونه، ويصلون معنا ويحضرون خطب الجمعة والأعياد التي كنت غالبًا ما أتولاها، ويسر الله لي فكتبت خلال فترة سجني الكثير من الكتابات والمؤلفات التي أثمرت بفضل الله تعالى هذا الخير المبثوث هنا وهناك، أسأل الله تعالى الإخلاص والقبول وحسن الختام ..

وشعر النظام بخطر انتشار هذه الدعوة بين عموم السجناء وخطر نفوذها من وراء القضبان إلى خارج السجن وانتشار كتاباتي وطباعتها وأنا لا زلت أرسف في قيودي، فحاولوا عزلنا أولا عن سائر السجناء فضيقوا عليهم ومنعوهم من الصلاة معنا وعوقب كل من يتصل بنا أو حتى يسلم علينا، ثم عزلونا عنهم كليًا في مهاجع مخصصة لنا لا يدخلها علينا أحد، ثم قاموا بتنقيلنا بين سجون مختلفة مخصصة لنا، كان آخرها سجن الجفر الصحراوي الحدودي الذي حاولوا فيه عزلنا عن العالم كله، ولم يفلحوا في ذلك؛ فقد كانوا في كل مرة يقربوننا ويسهلون اتصالنا بطائفة من إخواننا؛ كما حصل حين نقلونا إلى سجن السلط فقد سهّلوا على إخواننا من شباب السلط زيارتنا بعد أن كانوا يتجشمون المسافة إلى سجن سواقة، فسهّل ذلك الانتقال اتصالنا بهم، وحين نقلونا إلى سجن الجفر قربونا إلى مدينة معان وسهّلوا علينا الاتصال بإخواننا هناك والتعرف بأناس جدد من أهالي معان .. وهكذا كلما سدوا بابًا فتح الله لنا أبوابًا .. هذا غير ما كان الله ييسره لنا في كل سجن جديد من وسائل إخراج الرسائل والمؤلفات وإدخال بعض الكتب والمراجع التي تتيسر لنا .. {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وهكذا حالنا معهم دوما هم يضيقون والله يوسع وهم لا يشعرون ..

وكما هو جار بفضل الله معي إلى الساعة؛ فإنهم يودعونني السجن كل مدة سنة أو سنتين بغير جريرة إلا إظهاري لديني وتوحيدي ودعوتي التي من أهم أركانها إعلاني تكفير الطواغيت وبراءتي منهم ومن أسيادهم والتحريض على ذلك، وانحيازي ونصرتي للمجاهدين المقارعين لأسيادهم الأمريكان في كل مكان .. هذه هي جريمتي التي أسجن عليها بين الحين والحين ..

يفعلون ذلك ظنًا منهم أن السجن سيوهن هذه الدعوة أو سيطفئ وهجها، وما دروا - لغبائهم - أن السجن والبلاء لا يزيدها إلا توهجًا وانتشارًا، وقد جعله الله سبحانه محطات استفادة وإفادة لإخواني في السجن وخارجه، وفتح لنا فيه فتوحات لو يعلمها أعداء الله ما سجنونا للحظة، فالحمد لله على كرمه وإنعامه ..

{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت