فهرس الكتاب
ولقد أحزننا أن ينجح أناس من العوام وشباب فيهم خلق كثير لا يمتّون إلى الدين بصلة وترافقهم جموع من المتبرجات والفساق وشذاذ الآفاق نجحوا بإسقاط أنظمة وطواغيت ثم نرى إخوانا لا زالوا مختلفين في الآليات والوسائل ولم يحسموا أمرهم في أمور تكتيلية ليس في نكرانها أو إبطالها نص قطعي يستحق العداوة أو تشديد النكير، بل الواجب على من لم يستوعبها أن يعذر إخوانه حتى يرى فيها منكرا قطعيا، وقد بلغنا أن هناك من سوّد الأوراق وكتب صفحات وردودًا طويلة على شبكة الإنترنت في الطعن في إخواننا والتشنيع عليهم بما لا يستحق ذلك إشغالًا للموحدين والمبالغة في حرفهم وصرفهم عن أمر يُرى بكل وضوح آثاره الطيبة، ولو لم يكن فيه إلا منبرًا للدعوة ومخاطبة الناس بخطاب متمّيز نقي لكفى، خصوصا وسط ما نراه من تخبط في طرح الجماعات الأخرى وطمسهم لعرى الإيمان، ولذلك نذكّر المشنّعين على إخواننا الذين شوّشوا عليهم ونبزوهم وعيّروهم بما يستحق الثناء
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمومن اللوم *** أو سدّوا المكان الذي سدّوا
فلا أنتم عملتم في زمان متغير متسارع لا مكان فيه لقاعد، ولا تركتم غيركم يعمل وليتكم على الأقل عملتم بوصية خاتم المرسلين"من كان يؤمن باله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"...
فأوصي المتعجلين في أبواب اجتهادية محضة ضخموها وبالغوا وأفرطوا في الإنكار فيها بالتريث والتدبر والنظر والتأني فقد روى البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعا:"التأني من الله والعجلة من الشيطان"وأوصيهم بالتعقّل والتأمل والنظر في عموم أدلة الشرع ومقاصده وسيرة النبي وسياسته الشرعية التي كانت تراعي دفع أعظم المفاسد بإحتمال أدناها عند التزاحم وترك أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما عند العجز عن الجمع بين الجميع، فهذا هو الفقه وأصله وأسه ورأسه، وليس الفقيه العالم من يميّز المصلحة من المفسدة لأن هذا لا ينبغي أن يخفى على عوام المسلمين، ولكن الفقه كل الفقه الترجيح بين المفاسد والمصالح في حال التزاحم ومن أعظم الفقه أيضا النظر في مآلات الأمور بدراسة وتأمل مقدماتها ومعطياتها والتوقي من المآل الباطل أو الفاسد أو التنبه إلى الذرائع وإجتناب ما يكون وسيلة لإبطال شيء من الأصول، واعلموا أن تضخيم المسائل الصغيرة، وإعطائها أكبر من حجمها حتى تصبح مادة لتفريق شمل الجماعة وشرذمة الإخوة وتفريقهم وتصديع بنيانهم ليس من سيما العقلاء، فضلا عن العلماء، فالنبي نهى عن الغلو وأوصى في رمي الجمرات بحصيات كحصيات الخذف لأنه علم أن سيأتي أناس يتجاوزون الحدود، ولا يكتفون بالتقديرات الشرعية، ولذلك بين لنا الحرام وميّزه عن الحلال وما تركه لم يتركه نسيانا ولا غفلة ولا تقصيرًا في البلاغ حاشاه، بل تركه ليبقى حيّزًا لإجتهاد الأمة فيما يجد من مسائل ووسائل يسع فيها