فهرس الكتاب
يزعم أن ربه أمره بذلك. فما كان منها إلا أن قالت: إن كان ربه قد أمره بذلك فليطع ربه. فعاد عدو الله مخذولا .. وعندما تركها إبراهيم وابنها يوم كان رضيعا في واد غير ذي زرع بين جبال موحشة لا أنيس فيها ولا صديق؛ ومضى منفذا لأمر ربه متوكلا عليه لا يلتفت وراءه، نادته: أن يا إبراهيم (آلله أمرك بهذا؟) فقال: (نعم) فلم تجزع أو تولول أو تعترض بل قالت بيقين المؤمنة الصابرة المحتسبة الثابتة: (إذن لا يضيعنا الله) وبقية القصة معروفة ..
لا عجب من ذلك فقد كان ولي هؤلاء الرهط وراعيهم أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين فأصلح الله له زوجه وولده وأهله ..
وقد وصاه الله بكلمات فأتمهن وقام بهن أحق القيام؛ ومن أعظم الكلمات التي وصى الله بها خليله؛ التوحيد ملة إبراهيم وملة سائر النبيين التي قال تعالى عنها (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)
ولذلك جعله الله والذين معه قدوة وأسوة حسنة لنا فقال تعالى: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) وهذه آية عظيمة قد بينا بعض الفوائد والفرائد المستخلصة منها في كتابنا ملة إبراهيم ..
ولما أدى إبراهيم ما وصاه الله به من كلمات وقام بها أكمل قيام رماه قومه بأشد العداوة وأعظم العذاب وهو التحريق بالنار ومع هذا لم يتزعزع ولم يتلجلج ولم يغير أو يبدل بل اعتصم بمولاه ولاذ بربه ووليه هو حسبه ووكيله ونصيره نعم المولى ونعم النصير فخلد الله ذكره بحادثة لم يسبق مثلها في تاريخ البشرية وهي سلب خواص الإحراق من النار فخرج من وسطها سالما معافا ثابتا يتحدى قومه ويواجههم ومعبوداتهم بالعداوة والبراءة والبغضاء ليهدي للبشرية أعظم دروس الثبات على الحق وليلقن الأعداء درسا مفاده أن بلاءهم وعذابهم مهما بلغ من الشدة والعظمة فهو يستصغره ويستحقره ولن يبيع دينه أو يتنازل عن عقيدته وثوابته لأجله فعذاب الله الذي ينتظره إن فعل ذلك ـ وحاشاه ـ أعظم وأكبر وأشد وأبقى .. وكذالك نعيم الله الذي سيخسره في الحالة هذه أعظم من إغراءاتهم وأكبر وأبقى؛ فأنى يستبدل العاقل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟؟
وفي الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم: (يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت