منع الجاني المجنيَ عليه من الشرب حتى الموت:
صورة المسألة:
أن يمنع الجاني المجني عليه من الشرب، كأن يحبسه في مكان لا ماء فيه، فيموت المجني عليه نتيجة لذلك، فهل يعتبر هذا الفعل قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص أم لا؟
اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يعتبر قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص، وهو قول أبي حنيفة [1] .
ودليلهم:
أن رابطة السببية بين الحبس والموت غير موجودة؛ لأن الموت لم يحدث بسبب الحبس، وإنما حدث بسبب آخر وهو العطش، فقد تخلل بين السبب الأول -الذي هو الحبس- والنتيجة -والتي هي الموت- سبب جديد أضيف الحكم إليه، وانقطعت به الرابطة بين السبب الأول والنتيجة، وعلى هذا فلا يعتبر من القتل العمد الموجب للقصاص، وإنما له عقوبة وهي عقوبة التعزير. [2]
القول الثاني:
يعتبر قتلًا شبه عمد، موجب للدية، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن [3] .
ودليلهم:
أن القتل بسبب الترك، يعتبر قتلًا بسبب؛ لأنه مات بسبب العطش الذي لولا الحبس والمنع الحاصل عليه لأنقذ المحبوس حياته بالشرب، فكان منعه من ذلك سبب الموت، فأشبه ذلك حفر بئر في طريق عام، فإن وقع فيه إنسان ومات، اعتبر ذلك قتلًا بسبب، ولا قصاص فيه عندهما، بل فيه الدية؛ لأنهما لا يريان القتل بسبب كالقتل مباشرة [4] .
نوقش القولين السابقين:
أنه لولا الحبس لتمكن المجني عليه من شرب ما يحفظ عليه حياته، فالقول بعدم إيجاب القصاص يؤدي إلى اتخاذ الحبس مع منع الشراب وسيلة إلى القتل العمد.
القول الثالث:
أنه يعتبر قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص، وهو قول جمهور العلماء من
(1) ينظر: بدائع الصنائع (7/ 334) .
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) ينظر: بدائع الصنائع (7/ 334) .