إن الضرورة مستثناه من الحرمة، بدليل قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [1] ، وشرب الخمر لم يكن إلا لضرورة العطش، فكان شربها في هذا الحال مباحًا إن لم يتجاوز المضطر في شربها المقدار الذي يمسك به حياته [2] .
الدليل الثاني:
ولأن شرب الخمر يرد عطشه في الحال؛ حيث إن الخمر رطوبة وحرارة، فالرطوبة التي فيها ترد عطشه في الحال ثم بالحرارة التي فيها يزداد العطش في الثاني، وإلى أن يهيج ذلك به ربما يصل إلى الماء، فله أن يدفع الهلاك عن نفسه بالمقدار المحدد [3] .
القول الثاني:
عدم جواز شرب الخمر للعطش حال الاضطرار، وإليه ذهب المالكية في المعتمد عندهم [4] ، والشافعية في الراجح من مذهبهم [5] ، والحنابلة [6] .
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
إن الله سبحانه وتعالى أباح التناول من المحظور حال الاضطرار إليه، لرفع الهلاك عن المضطر، وليس في شرب الخمر ما يرفع العطش، بل فيه عكس ذلك؛ لما فيه من الحرارة التي تزيد العطش، والتي تحرض شاربها على الماء البارد [7] .
نوقش:
بأن الثابت أن الخمر تدفع العطش وتمسك الرمق عند الضرورة، وهذا هو المطلوب من شربها، ومن أهل الذمة من لا يشرب الماء دهرًا اكتفاء بشرب الخمر. [8]
الدليل الثاني:
ولأن إباحة التناول من المحظور حال الضرورة جاء في الميتة ولم يأت في الخمر [9] .
نوقش:
(1) سورة الأنعام، الآية: 145.
(2) ينظر: المبسوط (24/ 28) .
(3) ينظر: المبسوط (24/ 28) .
(4) ينظر: الذخيرة (4/ 110) ، حاشية الدسوقي (4/ 353) .
(5) ينظر: روضة الطالبين (10/ 169) ، نهاية المحتاج (8/ 14) .
(6) ينظر: المغني (12/ 400) ، شرح منتهى الإرادات (6/ 217) .
(7) ينظر: حاشية الدسوقي (4/ 353) ، روضة الطالبين (10/ 169) .
(8) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 160) .
(9) ينظر: روضة الطالبين (10/ 169) .