ويئدون البنات بغير ذنب ويستحلون الحرمات ويتناحرون فيما بينهم لأتفه الأسباب، بعث الله إليهم هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فتبدلت أحوالهم، وزكت نفوسهم، واستنارت بصائرهم واجتمعوا بعد الفرقة، وغنوا بعد العيلة وتحابوا بعد التباغض، وبين عشية وضحاها ينزل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الموت ويستجيب لنداء ربه، فيختار لقاء ربه.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فمسسته فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت: إن لك أجرين. قال: نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها» [1] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » [2] ، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس على المنبر فقال: «إن عبدًا خيرًه الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المُخَيَّر وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أَمَنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» [3] .
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يتغشاه فقالت فاطمة واكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلمَّا مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفِن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب» [4] .
ورواه ابن ماجه مختصرًا من حديث حماد بن زيد، وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه [5]
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء قال: وما نفضنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأيدي حتى
(1) رواه البخاري - كتاب المرضى ح (5648) ، ومسلم - كتاب البر والصلة والآداب ح (2569) .
(2) رواه البخاري كتاب المغازي ح (4446) .
(3) رواه البخاري مع الفتح 7 (39040) ومسلم (2382) .
(4) رواه البخاري - كتاب المغازي ح (4462) .
(5) رواه ابن ماجه - كتاب المغازي ح (1630) .