فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 68

لوحشي وهو الذي قتل حمزة - بعدما أسلم وقص عليه مقتل حمزة قال: «فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني» [1] .

وقال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - يبكي حمزة وأصحابه يوم أحد:

بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل

على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعًا ... هناك وقد أصيب به الرسول

أبا يُعْلي لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول

عليك سلام ربك في جنان ... مخالطها نعيم لا يزول

ألا يا هاشم الأخيار صبرًا ... فكل فعالكم حسن جميل

رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول

أكمل الهدي هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا أصيب بأحد ممن يحبه أن يحزن لذلك وتدمع عينه ويسترجع ويحمد الله ويصبر على ذلك.

والناس يختلفون عند المصائب على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من إذا نزلت به مصيبة جزع وسخط وشق جيبه ولطم خده وأخذ يصرخ وينوح على ميته ويتسخط على أقدار الله. وهذا والعياذ بالله قد أسخط ربه وأفرح الشيطان، وشابه أهل الجاهلية وابتعد عن هدي الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ولم ينل الأجر بل نال الوزر، والخطيئة ولم يستفد من ذلك شيئا.

القسم الثاني: بالعكس من ذلك فإذا نزلت به مصيبة ضحك واستبشر وانشرح صدره؛ ظنًا منه أن هذا هو الذي يجب أن يفعله المسلم وأن هذا هو معنى الصبر. حتى إن بعض العارفين لما مات ولده ضحك فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه.

القسم الثالث: وهو الذي يجب على المسلم فعله وهو أن يرضى بقضاء الله وقدره مع حزنه على مصابه ودمع عينه من غير جزع ولا تسخط ولا اعتراض ويكثر من الحوقلة والاسترجاع والدعاء، وحمد الله.

ولذا سأل ابن القيم رحمه الله شيخه أبا العباس بن تيمية رحمه الله عن حال هذا العارف الذي ضحك عند مصابه فقال: «هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان أكمل من هدي هذا العارف فإنه أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضا عن الله، ولرحمة الولد والرقة عليه، فحمد الله، ورضي عنه في قضائه وبكى رحمة ورأفة فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديته لله، ومحبته له على الرضا والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرأفة» [2] .

(1) رواه البخاري (4072) .

(2) زاد المعاد (1/499) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت