فهرس الكتاب

الصفحة 1327 من 5447

فمجيئ مادة المشورة في قوله تعالى يعطي هذه التوصية للمؤمنين في التدبير، بان يكون البت فيه بعد استخراج الرأي الصائب من العقول المختلفة بالمداولة والمفاوضة مع العقول الاخرى، اما ان البات والمدبر من هو فليست الاية في صدده، لاختلاف ذلك التعبير مع (وامرهم بأيديهم) حيث ان اليد هي من اقرب الكنايات عن السلطة، وكذلك يختلف مع التعبير في وله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله(، وغيرها من التعبيرات القرآنية المتعرضة للولاية في الاصعدة المختلفة.

وممار يعزز ما تقدم قوله تعالى (فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما( فان تعالى ندب الى التشاور بين الزوجين في رضاعة الطفل مع ان ولاية الرضاعة ذات الاجرة بيد الزوج فقط، وان كانت الحضانة في غير ذلك من حق الزوجة.

وكذا قوله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاضا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين( ففيه ندبة من الله للرسول(ص) الى مشورة المسلمين في سياق الرأفة والرحمة بهم واللين معهم والعفو عنهم والاستغفار لهم، لا لتحكيم ولايتهم عليه (ص) (والعياذ بالله) اذ ذيل الاية صرّح بان العزم على افعل مخصوص به (ص) .

بل ان الامر بالتوكل فيه اشعار بنفوذ عزمه وحكمه (ص) وان خالف آراءهم، ولذلك ذكر اكثر المفسرين وجوها في امره بالمشاورة.

احدها: ان ذلك لتطييب انفسهم والتألف لهم والرفع من قدرهم.

الثاني: ان يقتدى به في المشاورة، كي لا تعد نقيصة في المستشير.

الثالث: لامتحان الاصحاب بالمشاورة ليتميز الناصح من الغاش، كتشاوره (ص) قبل واقعة بدر ـ الكبرى والصغرى ـ وغيّرها من الوقائع.

الرابع: لتشجيعهم وتحفيزهم على الادوار المختلفة والتسابق على الخيرات والاعمال الخطيرة المهمة، وتنضيج عقول المسلمين وتنميتها، ولكي يتعرفوا على حكمة قرارات الرسول وافعاله (ص) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت