وفي أوائل القرن الماضي قدّمت «قم» نفسها بوصفها حوزة دينية ناشئة، فمع أن «قم» عريقة في التشيّع، ويروى عنها في ذلك طرائف، إلا أن مركزها بين الحوزات العلمية لم يتعزز إلا بعد انتقال المرجع الشيعي الشيخ عبد الكريم الحائري إليها سنة 1920، ورسخ موقع «قم» بعد وفاة المرجع الشيعي الكبير أبي الحسن الأصفهاني سنة 1946، وظهور حسين بروجردي مرجعًا أكبر للشيعة، حيث كان مقيمًا في «قم» إلى وفاته سنة 1961، وكان قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، يمثل التعزيز العملي لدور «قم» ، والترجمة الفعلية لما صارت تمثله من مرجعية علمية، وقدسية سياسية ودينية، إذ تحولت إيران بعد الثورة إلى دولة «ملالي» تتحرك وفق رغبة «مرشد الثورة» والمراجع في قم.
وقد تناسب تعزيز أهمية «قم» مع بداية تدهور موقع النجف، فظهور حكومات تحكمها نخبة سنية، بدءًا من الملكية وانتهاء بالبعث، أدى إلى التضييق على النجف ومراجعها، لا سيما الفرس منهم، وتعزز هذا بعد الحرب الإيرانية 1980 ـ 1989.
وعلى عكس ما كان متوقعًا، فيبدو أن هذا التضييق على النجف صادف «هوى» في نفوس حكام طهران (أو قم، لا فرق) ، بل ذكر بعض الباحثين أن الخميني في ثمانينات القرن الماضي، عرض على ابن محسن الحكيم، المرجع الشيعي في النجف، نقل الحوزة العلمية من النجف إلى «قم» !، مما يشير إلى أن أهمية حصر المرجعية الشيعية في «قم» ونبذ المرجعيات الأخرى أو إقصائها، كان أمرًا حاضرًا لدى قادة الثورة الإيرانية.
ومن الطرائف، أنّ منافسة «قم» للنجف لم تقتصر على «الأهمية» وعلى سحب المراجع الكبار ومصادر الدخل فقط، بل وصلت المنافسة إلى «اللقب التشريفي» ، فالنجف تعرف منذ زمن طويل عند الشيعة باسم «النجف الأشرف» ، وفي الأزمان المتأخرة استجلبت «قم» لنفسها لقب «قم المقدسة» .