فهرس الكتاب
إذا اتضح معنى الأحكام عندك أيها القارئ فلن يصعب عليك بعد ذلك أن تحكم بأن تعذيب المطيع وتنعيم العاصي أمران بالنظر إلى ذاتيهما جائزان عقلًا، ولكنك عند ملاحظة الشرع ووعد الله سبحانه بالجنة للمؤمنين وبالنار للكفار يحكم عقلك باستحالتهما لا لذاتيهما بل لغيرهما، وغيرهما هذا هو العلم باستحالة وقوعهما المأخوذ من خبر الصادق القطعي. وكذلك فإن التكليف بما لا يطاق أمر جائز عقلًا بالنظر إلى ذاته، وإلا لما صح في العقول تصوره بل إن كل واحد منا يستطيع أن يكلف غيره بما لا يطاق؛ فالحكم بجوازه عقلًا أمر يختلف عن وقوعه أو عدم وقوعه في الشاهد، كما يختلف عن أنه هل هو ممتنع الوقوع لغيره أم لا. وليعلم خليفات بأن الآيتين الكريمتين إن سلّم أنهما تدلان على عدم وقوع التكليف بالمحال فلا تدلان أبدًا على استحالة وقوعه. وليرجع من شاء إلى التفاسير، ويتأمل المعنى الذي نفته الآيتان ليدرك معنى ما نقول. وبهذا الكلام بانَ المراد من قول الأشعرية إجمالًا، وهو كاف لأذكياء القلوب في الرد على الشبهة الواردة على أهل السنة. ومع ذلك فإننا سنبحث في الشبهة وإجابتها أكثر، لما أنه قد كثر تشدق الشيعة بها.