واعلم أن أصل الخلاف إنما كان في أنه هل للأشياء حسن وقبح في نفسها أم أن ذلك إنما هو من وضع الشرع، حيث أضاف الشارع لبعض الأفعال وصف القبح ولبعضها وصف الحسن كما بينه الأصفهاني رحمه الله. والتفصيل في الأقوال ومناقشتها وإبطال الحسن والقبح الذاتيين للأشياء مبحوث باستفاضة في كتب الأصول والكلام، فليرجع إليها من يشاء. وهذا بعض كلام الإيجي رحمه الله تعالى في هذه المسألة ممزوجًا بكلام الشارح العلامة الشريف الجرجاني، قالا: (اعلم أن الأمة قد اجتمعت إجماعًا مركبًا على أن الله لا يفعل القبيح، ولا يترك الواجب. فالأشاعرة من جهة أنه لا قبيح، ولا حاكم بقبح القبيح منه ووجوب الواجب عليه إلا العقل. فمن جعله حاكمًا بالحسن والقبح قال بقبح بعض الأفعال منه، ووجوب بعضها عليه. ونحن قد أبطلنا حكمه -أي حكم العقل- وبينا فيما تقدم أنه تعالى الحاكم فيحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، لا وجوب عليه كما لا وجوب عنه، ولا استقباح منه وأما المعتزلة فإنهم أوجبوا عليه تعالى بناء على أصلهم أمورًا فنذكرها هنا ونبطلها بوجوه مخصوصة بها، وإن كان إبطال أصلها كافيًا في إبطالها ... إلى أن قالا: ... الثاني من الأمور التي أوجبوها الثواب على الطاعة لأنه مستحق للعبد على الله بالطاعة فالإخلال به قبيح، وهو ممتنع عليه تعالى. وإذا كان تركه ممتنعًا كان الإتيان به واجبًا، ولأن التكليف إما لا لغرض وهو عبث، وإنه لجد قبيح خصوصًا بالنسبة إلى الحكيم تعالى، وإما لغرض إما عائد إلى الله تعالى وهو منزه عنه، أو إلى العبد إما في الدنيا وإنه مشقة بلا حظ، وإما في الآخرة وهو إما إضراره وهو باطل إجماعًا وقبيح من الجواد الكريم، وإما نفعه وهو المطلوب، لأن إيصال ذلك النفع واجب لئلا يلزم نقض الغرض(قلت: وهذا ما أشار إليه النووي بقوله: وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال، ... ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم) .