أما مسألة التكليف بما لا يطاق، فاعلم أن هنالك فرقًا بين تجويزه عقلًا - وقد أصبحت خبيرًا في معنى الجواز العقلي- وبين كونه واقعًا أو غير واقع في الشرع. ولقد استدل الإيجي رحمه الله بأدلة على إمكان التكليف بالمحال، أظهرها أنه مجمع على وقوع بعض مراتبه. ومثاله تكليف أبي لهب بالإيمان بكل ما جاء به النبي عليه السلام والذي من جملته أنه لا يؤمن، فيكون تكليفًا بالجع بين المتناقضين، وهذا مما لا يطاق. ولا يخفى أن وقوعه هو أكبر دليل على جوازه عقلًا. وسيأتي في كلامه رحمه الله أن التكليف بالمحال مختلف في تجويزه، فجوزه من صحح إمكان تصوره والحكم عليه، ومنعه من منع ذلك، ولكن الإجماع واقع على عدم وقوع التكليف بالمحال لذاته وهو أعلى مراتب ما لا يطاق. وأود أن ألفت النظر قبل مناقشة الموضوع إللى ما ذكره السعد التفتازاني في شرح المقاصد حيث لخص المسألة ثم فصل فيها ببراعة، ومما قاله هناك:"لا يمتنع تكليف ما لا يطاق... ثم المتنازع في الأول ما أمكن في نفسه ولم يقع متعلقًا لقدرة العبد أصلاُ: كخلق الأجسام، أو عادة: كالصعود إلى السماء، لا ما امتنع لذاته كجمع النقيضين، فإن الجمهور على امتناع التكليف به... ولا ما امتنع لسابق علم الله أو إخبار من الله تعالى بعدم وقوعه، فإن التكليف به واقع وفاقًا. ثم النزاع في الجواز، وإلا فالوقوع منفي بحكم النص والاستقراء، وفي التكليف بمعنى طلب تحقيق الفعل والإتيان به، واستحقاق العذاب على الترك.."اهـ [1] [4]
فحبذا لو رجعت إليه. وما أردته من نقل نصه أمران: الأول تحديد محل النزاع والإشارة إلى الخلاف في بعض مراتب التكليف في بما لا يطاق، والثاني التفريق بين تكليف التحقيق بمعنى طلب الفعل والمعاقبة على تركه، والتكليف لأسرار أخرى كالتحدي والتعجيز كقوله تعالى: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } فإنه واقع وفاقًا.
(1) 1- شرح المقاصد ج4/ 296-297، ط2 عالم الكتب