فهرس الكتاب
المدرسة الامامية القديمة اخبارية تحرم الاجتهاد خارج النصوص، وظلت هكذا آلي فترة طويلة بعد (الغيبة) ، وكان منتهى العمل (الاجتهادي) يدور داخل النصوص والترجيح فيما بينها ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه، وكانت فتاوى العلماء، كعلي بن بابويه الصدوق، مجرد نصوص روايات معتبرة لديهم.
ولكن بعد القول بغيبة (الأمام الثاني عشر) ومرور مدة طويلة على انقطاع الاتصال ب:·مصدر العلم الإلهي وحدوث مسائل جديدة تستوجب الإجابة عليها، بدأ موقف الامامية من (الاجتهاد) يتطور .. ويتغير، واضطروا لفتح باب الاجتهاد والقول بجواز القياس. وكان أول من قال بذلك في أواسط القرن الرابع هو الحسن بن عقيل العماني، المعاصر للكليني، الذي يصفه الشيخ عباس القمي في: (الكنى والالقاب) بأنه:· أول من هذب الفقه، واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى و · كان يرى القول بالقياس ويقول باجتهاد الرأي كما يقول النجاشي في رجاله، و ·اول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة كما يقول الخونساري في: (روضات الجنات) . وكان يشاركه في تلك المدرسة الاجتهادية الرائدة محمد بن احمد بن الجنيد الاسكافي - وهو من مشايخ المفيد - الذي يصفه الخونساري في: (روضات الجنات) بأنه · قد عمل صريحا بالقياسات الحنفية واعتمد على الاستنتاجات الظنية. 1
وقد اعتمدت هذه المدرسة (الأصولية) على بعض الأحاديث الصادرة عن أهل البيت (ع) كالحديث الذي يرويه الحر العاملي: عن الأمام الصادق (ع) انه قال:· إنما علينا ان نلقي اليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا والحديث الذي يرويه عن الأمام الرضا (ع) انه قال:· علينا القاء الأصول وعليكم التفريع (2) أو · التوقيع الذي يرويه الصدوق في: (اكمال الدين) عن (الأمام المهدي) والذي يقول:· واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها آلي رواة أحاديثنا.
ومع ان الشيخ المفيد محمد بن النعمان (توفي سنة 413 ه) قد رفض مدرسة الاجتهاد في البداية أو في الظاهر، وردّ على ابن الجنيد في رسالة له، وانكر في (المسائل الصاغانية) على العماني وابن جنيد اشتغالهم عن حمل الآثار بالرأي والاستحسان، وهجرانهم مَن أمَر الله تعالى بصلته وأخذ معالم الدين عنه وعن عترة نبيه، وألّف كتابين في الرد على أستاذه ابن الجنيد الذي كان يحاول ممارسة الاجتهاد. - وقد نقلنا رأيه في الفصل الماضي - فانه قد مارس الاجتهاد في عملياته الفقهية، مما دفع (الإخباريين) آلي اعتباره من رواد مدرسة الاجتهاد.
ولكن تلميذه السيد المرتضى علم الهدى (توفي سنة 440 ه) قد نقح القول في مسألة الاجتهاد، وافتتح القول بجواز (الاجتهاد) رسميا، مؤسسًا لمدرسة أصولية اجتهادية استمرت حتى اليوم ووضعت نهاية لما عرف بالمرحلة الإخبارية الأولى، وجاء زميله وتلميذه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (توفي سنة 460 ه) فمارس الاجتهاد على أوسع أبوابه وكتب (المبسوط في فقه الامامية) ، ثم تلتهما المدرسة الأصولية الحلية ومدرسة جبل عامل وكربلاء والنجف وقم الأصولية المستمرة حتى اليوم.