فهرس الكتاب

الصفحة 5398 من 5447

نظرية اللطف في الاجتهاد

وقد كان فتح باب الاجتهاد يحمل في طياته شبهة استغناء الأمة عن الحاجة آلي الأمام المعصوم العالم بالعلم الإلهي، وهنا كان لا بد للسيد المرتضى ان يجمع بين الاثنين بإبداع نظرية (اللطف) التي تعني اشراف (الأمام المهدي الغائب) من وراء ستار على العمليات الاجتهادية في (عصر الغيبة) وتسديد الشيعة وتصحيح آرائهم، ومنعهم من الإجماع على الخطأ، والمبادرة آلي تبيان الرأي السليم لهم بصورة سرية ودون ان يكشف الأمام عن هويته، ولذلك فقد اهتم السيد المرتضى في (الذريعة آلي أصول الشيعة) بآراء الفقهاء المجهولين في مناقضة الإجماع الشيعي (19) ولم يلتفت آلي مخالفة العلماء معروفي النسب، لاحتمال كون واحد من المجهولين (الأمام المهدي) ، وكذلك فعل الشيخ الطوسي في: (عدة الأصول) لدى الحديث عن نظرية اللطف في مبحث الإجماع. 20

و يعبر الشيخ الكراجكي، المعاصر للطوسي، عن تردد واضح وعدم ثقة كاملة بعملية الاجتهاد، وذلك خوف الجهل والتزوير، وهو ذات السبب الذي دفع متكلمي الامامية آلي اشتراط العلم الإلهي والعصمة في الأمام، ولكنه حل هذه المشكلة المستعصية بنظرية اللطف، حيث اطمأن آلي وجود الأمام المعصوم المراقب و المسدد، وقال في: (كنز العرفان) :· .. كثيرا ما يقول المخالفون عند سماعهم منا هذا الكلام: إذا كنتم قد وجدتم السبيل آلي علم ما تحتاجونه من الفتاوى في الأحكام المحفوظة عن الأئمة المتقدمين فقد استغنيتم بذلك عن امام الزمان. وهذا قول غير صحيح، لأن هذه الآثار موجودة مع من لا يستحيل منه الغلط والنسيان، ومسموعة بنقل من يجوز عليه الترك والكتمان، واذا جاز ذلك عليهم لم يؤمن وقوعه منهم إلا بوجود معصوم يكون من ورائهم شاهد لأحوالهم عالم بأخبارهم ان غلطوا هداهم أو نسوا ذكّرهم، فلو انصرفوا عن النقل وضلوا عن الحق لما وسعته التقية ولأظهره الله سبحانه، ومنع منه آلي ان يبين الحق ويثبت الحجة على الخلق. 21

ولكن العلماء المتأخرين لم يعبئوا بنظرية (اللطف) حيث لم يجدوا لها مصداقا واحدا طوال اكثر من الف عام، وتغيرت بناء على ذلك نظرتهم آلي (الإجماع) بعد ان كان يشتمل على حضور المعصوم، حسب نظرية اللطف. وقد رفض الشيخ يوسف البحراني اعتبار الإجماع لعدم ثبوت نظرية اللطف، وقال في: (الحدائق الناضرة) :· واما الإجماع عندنا فهو بانضمام المعصوم ... على ان تحقق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذر لتعذر ظهوره (ع) (يقصد الأمام المهدي) وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة اقوالهم ... ودونه خرط القتاد. وما يقال من انه إذا وقع إجماع الرعية على الباطل يجب على الأمام ان يظهر ويباحثهم حتى يردهم آلي الحق لئلا يضل الناس، أو انه يجوز ان تكون هذه الأقوال المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها قولا للامام (عليه السلام) ألقاه بين أقوال العلماء حتى لا يجمعوا على خطأ، كما ذهب اليه بعض المتأخرين، حتى انه (قدس سره) - المصنف - كان يذهب آلي اعتبار تلك الأقوال المجهولة القائل لذلك، فهو مما لا ينبغي ان يصغى اليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. وعلى هذا فليس في عد الإجماع في الأدلة إلا مجرد تكثير العدد واطالة الطريق. 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت