فهرس الكتاب
ولم يكتف أبو الصلاح الذي كان يعيش في ظل الدولة البويهية بالقول بالجواز، وإنما أضاف إليه القول بالوجوب وحرمة الامتناع عن التصدي لتنفيذ الحدود، وكما لاحظنا فقد اعتبر القاضي الذي يعينه الظالم المتغلب (ويقصد الحكام البويهيين الشيعة) نائبا عن الإمام المهدي الغائب، وقد أشار إلى وجود بعض الروايات من الأئمة السابقين التي تجيز رجوع الشيعة إلى الفقهاء والتحاكم لديهم، وربما كان يعني مقبولة ابن حنظلة أو مشهورة أبى خديجة، ولكن مفهومه عن (نيابة الفقيه) لم يكن يتعدى المجال القضائي.
ومع تألق القول بجواز إقامة الحدود منذ عهد المفيد إلا ان (سلار) حاول التراجع عنه في (المراسم) حيث أفتى بالجواز على مضض، وقال:· ان عدم الجواز اثبت وقال أخيرا بعد ان ذكر فرضية (التفويض العامة من الأئمة للفقهاء) :· ومن تولى من قبل ظالم وكان قصده إقامة الحق، أو اضطر إلى التولي، فليتعمد تنفيذ الحق ما استطاع وليقض حق الإخوان. 8
و أجاز القاضي ابن براج (400 - 481) في (المهذب) إقامة الحد على الولد والأهل دون غيرهم مع اشتراط عدم الخوف من وصول المضرة من ظالم، كما أجاز لكل إنسان مسلم - وليس للفقهاء فقط - ان يقيم الحدود، إذا استخلفه السلطان الجائر، وجعل إليه إقامة الحدود بشرط ان يعتقد: انه من قبل الإمام العادل (المهدي المنتظر) في ذلك، وانه يفعل ذلك بإذنه لا بإذن السلطان الجائر. 9
وقد اثبت محمد بن إدريس الحلي (543 - 598) في: (السرائر) اختصاص الحق بإقامة الحدود بالأئمة (ع) وان من فروضهم بمقتضى التعبد دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك، ثم تحدث عن عدم جواز تنفيذ الأحكام الشرعية في حالة التعذر إلا لشيعتهم المنصوبين من قبلهم لتولي ذلك، وبالأخص لمن تكاملت فيه شروط النيابة عن الإمام المهدي، وتحدث عن (النيابة الواقعية) للحاكم في ظل الغيبة عن (ولي الأمر) لثبوت الإذن له منه ومن آبائه، وان كان في الظاهر منصوبا من قبل المتغلب. 10
ويمكننا ان نلاحظ هنا: ان الحديث عن جواز إقامة الحدود في عصر الغيبة، كان إلى نهاية القرن السادس الهجري يدور في حالة قيام الظالم بإجبار الفقيه أو غير الفقيه على تطبيقها، وكان الرأي الاستثنائي يقوم على جواز أو وجوب ذلك بشرط عقد النية - افتراضا - على النيابة عن امام الأصل المنصوب من قبل الله تعالى وهو (الإمام المهدي الغائب) ، وان الفقهاء الذين أجازوا تقريبا إقامة الحدود لمن يأمره السلطان الظالم بذلك، لم يفعلوا ذلك بصورة أولية، أي انهم لم يجيزوا إقامة الدولة في عصر الغيبة وقالوا بسقوط الحدود في هذا العصر، حسب نظرية: (التقية والانتظار) التي كانوا يلتزمون بها بقوة، ولكنهم عادوا فجوزوا إقامة الحدود تحت سلطة الظالمين لو أمروا بها.
وقد حدث بعض التطور في هذه النظرية الاستثنائية