فهرس الكتاب
وإن قيل: ربما أن محمدا عليه السلام تعلم تلك الشريعة من أحد الناس خارج مكة في بعض البلاد الشامية التي روى أنه سافر إليها قبل دعوى الرسالة مع جملة من التجار؟!
قلنا: إن الذي ثبت نقله وصحت روايته أنه عليه السلام ما غاب عن مكة في البلاد الشامية إلا عدة أيام تبلغ الشهرين أو الثلاثة هي مدة الذهاب والرجوع وقضاء مصالح التجار الذين سافر معهم، وتلك المعارف التي ظهرت في شريعته يحتاج تعلمها إلى شهور وأعوام وليال كثيرة وأيام، ولو كان المعلم من أبرع المعلمين والمتعلم من أذكى المتعلمين: فأي عاقل يصدق أنه عليه السلام تعلم جميع تلك المعارف في تلك الأيام القلائل التي غاب فيها عن بلده مكة، وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتلك المدة لا تكفي لتعلم باب واحد من أبواب تلك الشريعة، ولو كان المتعلم كاتبا قارئا؟! على أن الرسول عليه السلام ما جاء بتلك الشريعة وأظهرها للناس دفعة واحدة من أول دعواه الرسالة، بل كان يأتي بذلك مفرقا موزعا على الأزمنة من أول دعواه إلى أن تم دينه، وانتشر بين الأمم الذين اتبعوه في مدة اثنتين وعشرين سنة، فكان يبلغ أحكام شريعته وجميع مشتملاتها للناس شيئا بعد شيء، على حسب المقتضيات، والمصالح، والحوادث، والمشاكل، والسؤالات، والشبه الواردة من أخصامه، فيأتي في مقابلة كل شيء بما يطابقه وفق المرغوب، وهذه الكيفية معلومة لنا بالضرورة، بما نقل من سيرته، وكيفية تمام أمره، نقلا