فهرس الكتاب
حتى يتمكنوا من معارضة أولئك السحرة الذين يدعون النبوة كذبا، ولا شك أن هذا من أحسن المقاصد، فهذان الملكان كانا لا يعلمان أحدا السحر حتى يبذلا النصيحة فيقولا له إنما نحن فتنة، أي محنة يتميز بها المطيع من العاصي، فهذا الذي نصفه لك من السحر، وإن كان القصد منه أن يظهر به الفرق بين السحر وبين المعجزة، ولكنه يمكنك أن تتوصل به إلى المفاسد والمعاصي، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه، أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة، ثم إن القوم تعلموا منهما السحر، واستعملوه في الشر، وإيقاع الفرقة بين المرء وزوجه.
ثم قال الرازي: واتفق المحققون على أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور، يعني: وإنما المحظور العمل به، وتقرير الآية بهذا الوجه لا إشكال فيه، ولا يدل على معصية الملكين المذكورين كما هو ظاهر، بل يكونان قد امتثلا أمر الله تعالى في التعليم، كما لا إشكال في أنه كيف ينزل الله تعالى عليهم السحر المنهي عنه، لأن المحرم هو العمل به، لا تعلمه لأجل مقصد حسن.
وأما ما روي من أن هذين الملكين قد مثلا بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها الزهرة، فحملتهما على المعاصي والشرك، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فنقول: إن هذه القصة قد اختلف العلماء في صحة نقلها، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: