فهرس الكتاب
المال، ولا تسمح بصرف شيء منه إلا إذا وجدت عوضا هو خير منه، فكان من حكمة الله تعالى أن يجعل دارا غير هذه الدار يكافئ فيها بالخير المتصدقين على الفقراء والمساكين، ويجازى مانعي الصدقات والزكوات بما يستحقون، فإذا علم الأغنياء بوجود دار أخرى، وأنهم يكافئون فيها على الصدقة بعشر أمثالها، فحينئذ ينفقون على الفقراء والمساكين برغبة وانشراح صدور، لما يرجونه من نوال الأجور، بل: يرغبون أيضا في الصدقات الجارية التي لا تنقطع، فيرصدون الأوقاف الجسيمة، ويشيدون للصلوات، والأذكار، وإطعام الطعام، المساجد، والزوايا، والتكايا العظيمة، فينتج عن ذلك من الخيرات ما لا يدخل تحت الحصر، وكل ذلك ناشئ عن الرغبة في نعيم الدار الآخرة، والنجاة من عذابها، ولولا ذلك لما كان من تلك المآثر الخيرية إلا أقل القليل.
ثم إن السلطان العادل الحكيم الرحيم إذا كان له جمع من الرعية، وكان بعضهم أقوياء، وبعضهم ضعفاء: كان من حكمته، وعدله، ورحمته: أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القوي، والله سبحانه وتعالى سلطان حكيم عادل رحيم، فمن حكمته وعدله ورحمته أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين، وهذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار، لأننا نرى المظلوم قد يبقى فيها مهانا في غاية الذلة والقهر مسلوب المال، مفضوح العرض، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة