فهرس الكتاب
فلا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا العدل وهذا الإنصاف.
ثم إنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف.
وبيان ذلك: أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات؛ فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال، طيبة النفس، لأنه ليس لها فكر وتأمل، أما الإنسان، فبسبب ما له من العقل يتفكر أبدا في الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف، فثبت أن حصول العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا، والآلام النفسانية الشديدة القوية، أما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بينه وبين سائر الحيوانات، لأن السرقينفي مذاق الجمل طيب، كما أن أفخر الحلويات في مذاق الإنسان طيب، فلو لم يحصل للإنسان معاد: به تكمل حالته، وتظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل سببا لمزيد الهموم، والغموم، والأحزان، من غير جابر يجبر ذلك، ومعلوم أن كل ما يكون كذلك فإنه يكون سببا لمزيد الخسة، والدناءة، والشقاء، والتعب الخالية عن المنفعة، فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الإنسان أخس الحيوانات، حتى الخفافس، والديدان، ولما كان كذلك باطلا قطعا، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، والإنسان خُلِق للآخرة، لا للدنيا: نعم