فهرس الكتاب
حقيقتها ليس من مقاصد الشرائع، لما تقدم أن مقاصد الشرائع إنما هو بيان التوحيد، والعبادات، ونظام المعاش، وأيضا بيان تلك المسألة ربما قد يعجز عن فهمه كثير من العامة، بل ربما يكون فيه للعامة اضطراب واختلال، لا سيما الضعفاء منهم، الذين يجدون ذلك مخالفا لمشاهدتهم، ولسنا نقول: إن فهم هذه المسألة يصعب على أجلاء الصحابة - رضي الله عنهم - الذين حازوا من المعارف النبوية ما يؤهلهم لفهم أعظم المسائل وأدقها، بل نقول: إن فهمها يصعب على العامة، لا سيما أهل البوادي، ولينظر لو قيل للعرب الجاهلية: إن الأرض هي التي تدور، والعالم على ظهرها ولا يسقطون عنها، ولا ينفصل عنها ماء البحر ونحو ذلك، وهم يشاهدون بأبصارهم أن الدائر حول الأرض إنما هو الشمس والكواكب.
ماذا يكون حالهم حينئذ، وما كان يظهر فيهم من المخالفة والامتناع عن التصديق لهذا القول؟
وانظر إلى ما استبعدوه وأنكروه من أمر البعث وأمثال ذلك.
ولكن الشرائع في غنية عن بيان مثل مسألة الأرض، إذ ليست من مقاصدها، وأما بيان البعث فهو من مقاصدها، لما فيه من الترهيب والترغيب المصلحين للأمم، فلذلك لم تترك بيانه، وإن صعب فهمه على كثير، بل ذكرته، وأقامت الدلائل عليه.
والملخص: أن الشرع جرى في استعماله على ظاهر الحال، ويسمى ذلك في اصطلاح اللغة تجوزا، ولم يظهر الحقيقة للشعب، لما قدمناه.
وهكذا نرى الآن من يعتقدون دورة