فهرس الكتاب
التي أقدر الله تعالى البشر عليها من تحويلات الأجسام إلى بعضها، كتحويل الكثيف لطيفا، واللطيف كثيفا ما يقرب فهم ما قررناه إلى العقول، وحيث إن تشكل تلك الأجسام كيفما كان هو مستند إلى عظمة قدرة الله تعالى الذي تدهش أعماله الأفكار فيما أعطاه للحيوان والنبات من الخواص، فلا غرابة في ذلك، وكل مؤمن بذلك الإله، وبعظيم قدرته، وواسع علمه لا يستبعد حصول ما ذكر للملائكة.
وأما إنهم يعملون أعمالا عظيمة تعجز عنها قوى البشر مع أنهم أجسام لطيفة فبعد النظر إلى أعمال الرياح التي تقلع الأشجار العظيمة، وتهدم الأبنية الجسيمة، وأعمال القوة الكهربائية التي تجر الأثقال التي يعجز عنها ألوف الرجال لا تجد في نسبة تلك الأعمال للملائكة مع أنهم أجسام لطيفة شيئا من الغرابة، لا سيما وأن الذي يقدرهم على تلك الأعمال هو الله تعالى الذي لا يعد ذلك بالنسبة إلى عظيم قدرته شيئا صعبا، وإذا نظرنا إلى أن بعض الناس يكسر بقوة ذراعه الحديد، وما هي قوة ذراعه إلا عمل أعصابه مع عضلاته التي تنتهي أخيرا إلى مخّه اللطيف النحيف الذي هو مبدأ حركة الأعضاء، على ما يقوله أولئك الفلاسفة، والمخ للطافته لا يتحمل أذى مصادمة من جسم غريب، بل صعود نقطة دم زائدة على القدر اللازم له قد تفسده وتعدم صاحبه الحياة، ظهر لنا أن الله تعالى قادر