فهرس الكتاب
لكلا الأمرين، وليعلم أن جميع ما قررناه في حق الملائكة يقال مثله في شأن الجن: من القدرة على التشكل، والأعمال العظيمة، وقطعهم المسافات الطويلة في برهة قليلة، وعدم رؤيتنا لهم، والاستدلال واحد لا يخفى على الفطن الذكي، والله تعالى أعلم، نقول: ومن هذا المقام تبين لك اندفاع الشبهة التي ترد على الأسراء والمعراج اللذين حصلا لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، والشبهة التي ترد على انتقال عرش بلقيس من بلاد اليمن إلى مجلس سليمان - عليه السلام - في لمحة طرف.
أما الإسراء والمعراج فقد ورد في القرآن الشريف أن الله تعالى أسرى بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في ليلة واحدة من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، وورد في الأحاديث الصحيحة التي بلغت بكثرتها درجة القطع بثبوتها أن الله تعالى أصعده في تلك الليلة إلى السماوات العى، ثم أعاده إلى مكة في نفس تلك الليلة قبل أن يطلع الفجر، فيجب علينا الإيمان بذلك، حتى إن كثيرا من العلماء يذكرون الإسراء والمعراج في جملة العقائد التي يجب الإيمان بها، وإنما أخرنا ذكرهما إلى هنا لبيان دفع الشبهة عنهما في مناسبة هذا المقام، فنقول:
حيث قد ظهر هنا أن سرعة الحركة للأجسام مهما بلغت القدر العظيم، فهي من الجائزات العقلية الداخلة تحت تصرف قدرة الله تعالى، فما المانع أن الله تعالى ينقل ذات سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في ليلة واحدة من حرم مكة إلى حرم القدس، ثم إلى السماوات العلى، ثم يعيده في تلك الليلة إلى مكة، فمن يؤمن بوجود الله تعالى، ويتبصر