فهرس الكتاب
الله تعالى الجن على بني آدم بإفساد هوائهم ودمهم، فيتولد عن ذلك تلك الغدد الطاعونية.
فالنص الشرعي أخبر بالسبب الأصلي، وكنى عنه بوخز الجن، والأطباء اطلعوا على السبب الأخير، فقالوا بما اطلعوا عليه، ولا إشكال في ذلك، والله أعلم.
وإن قيل: قد جاء في حديث آحادي أنه عليه السلام قال: «لَا يُوْرِدَنَّ ذُوْ عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ» . وقال: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُوْمِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» . وجاء في حديث آخر أنه عليه السلام قال: «لَا عَدْوَى» ، فما التوفيق بينهما؟
قلنا: من المعلوم أن اعتقاد أهل الإسلام أنه لا تأثير لشيء بطبعه، بل كل أثر فهو بخلق الله تعالى، وإنما قد أوجد الله أسبابا عادية للآثار، والله قادر على تخلف تلك الآثار عن أسبابها، وأن العمر محتوم لا يزيد ولا ينقص، ولا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد أن المرض الفلاني يؤثر بطبعه ويعدي غير صاحبه، وأن الإنسان قد يعدي بالمرض ويموت قبل أجله الذي قدره الله له.
إذا تقرر ذلك فنقول: يمكن - والله أعلم بمراد رسوله - أن المراد من قوله عليه الصلاة السلام: «لَا عَدْوَى» أنه لا يجوز اعتقاد العدوى بتأثير الأمراض بطبعها وإماتة الإنسان قبل أجله، ولكن قد توجد في بعض الأمراض مثل الجذام والجدري والسل وأمثال ذلك رائحة كريهة، ومادة سامة تنفصل من صاحبها، ربما تكون سببا عاديا لحدوث المرض فيمن يخالطه ويقاربه، فيمكن حينئذ - والله أعلم - أن يكون