فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 204

هذا المعنى الذي أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لَا يُوْرِدَنَّ ذُوْ عَاهَةٍ عَلَى مُصْحٍ» ، وقوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُوْمِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ، فكما أن شدة البرد، وشدة الحرارة، والتخمة، وأمثال ذلك، تكون سببا للمرض، كذلك تلك الرائحة الخبيثة، والمادة السامة، التي تنفصل من المريض قد تكون سببا عاديا لمرض الصحيح المخالط له، فإذا تجنب المرء أصحاب تلك الأمراض تحاشيا عن الأسباب العادية مع اعتقاده أن تلك الأمراض ليست مؤثرة بطبعها، وأن تحاشيه لا يكون مانعا لقدر الله تعالى، ولا مطيلا له عمرا، فلا مانع من ذلك التحاشي مع مراعاة تلك الشروط لصحة الاعتقاد، وقد قال - صلى الله عليه تعالى عليه وسلم - في الطاعون: «إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ اَلَّذِيْ أَنْتُمْ فِيْهِ فَلَا تَخْرُجُوْا مِنْهُ» ، وقال أيضا: «إِذَا كَانَ فِيْ بَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوْهُ» ، قال بعض العلماء يريد بقوله: «لَا تَخْرُجُوْا مِنْهُ» إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم، ويريد بقوله: «وَإِذَا كَانَ فِيْ بَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوْهُ» أن مقامكم في البلد الذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، وأطيب لعيشكم، ومع ذلك لا مانع للإنسان أن يخالط أصحاب الأمراض اتكالا على الله وثقة به تعالى؛ لأن حصول الضرر بمخالطتهم غير مقطوع به، وقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام أكل مع مجذوم في إناء واحد، وقال ثقة بالله، فبالتأمل في هذا المقام يظهر التوفيق بين الأحاديث الشريفة، ويعلم اعتقاد المسلمين في مسألة العدوى، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت