فهرس الكتاب
-عليهم الصلاة والسلام - جرت على أيديهم تصديقا لهم: مثل انفلاق البحر، وانشقاق القمر، وكلام العجماوات، ومجيء عرض بلقيس في لمحة طرف، وبعد ذلك كله، فإنك ترى بعض من استولت الغفلة على قلوبهم قد سترت عنهم عظمة مصنوعات الله تعالى المعتادة لديهم وغرابتها لكثرة مشاهدتهم لها، ويعجبون من حدوث شيء نادر الوقوع لم تجر العادة في بروزه لدى حواسهم، وربما يكون هذا الشيء في العظمة، ودقة الصنعة: دون ما جرت العادة بحصوله وألفته أنفسهم، وما ذلك إلا لعدم اعتيادهم على مشاهدة ما ندر وقوعه حتى ربما كذبوا من يخبرهم به أشد التكذيب، وإن كان ثقة عندهم، مثلا: تراهم يعلمون أن التراب ينقلب نباتا، ثم غذاء، ثم دما، ثم نطفة، ثم بعد انتقاله لرحم الأنثى ينقلب علقة، ثم قطعة لحم، ثم تتصور حيوانا سميعا بصيرا شاما ذائقا لامسا، ثم يخرج من بطن الأنثى: ضعيف العقل والقوى، ثم يصير قويا صلبا ولبيبا حاذقا وعالما مدققا ويقول: أنا وأنا، وما جسده إلا قبضة تراب، وسيعود كما كان، ومع ذلك: لا يعجبون من جميع ما جرى في هذه التحولات والأطوار! وإذا أخبرهم مخبر أن فلانا الرجل الصالح قد شفى الله تعالى فلانا المبتلى بالبرص على يديه بمجرد أنه لمسه ودعا له: تجدهم قد عدّوا ذلك من المحال، وحسبوا الخبر به من خرافات الأقوال، ولو كان المخبر من أصدق الرجال، والحال أن شفاء ذلك الأبرص على ذلك الوجه ليس بأعظم من تكوّن الإنسان