مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63 [ (1) .
ومن مواقف السيرة الدالة على تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جبهة المعارضة الفاسدة في زمنه تعاملا يقطع أنه - صلى الله عليه وسلم - قد رَاعَى فيهم الاختلافَ الفكريَّ أقصى أنواع المراعاة، رغم حكمه بفساد فكرهم، ورغم إنكاره - صلى الله عليه وسلم - هذا الفكر تقريرًا قوليا وتقعيدا عقديًّا أشد الإنكار: ما فعله
(1) قال ابن جرير في تفسيره: «إنكم أيها المنصرفون عن نبيكم بغير إذنه، تسترا وخفية منه، وإن خفي أمر من يفعل ذلك منكم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله يعلم ذلك، ولا يخفى عليه، فليتق من يفعل ذلك منكم الذين يخالفون أمر الله في الانصراف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذنه، أن تصيبهم فتنة من الله، أو يصيبهم عذاب أليم، فيطبع على قلوبهم، فيكفروا بالله» . تفسير الطبري (17/ 391) .
ومن لطيف ما يدل على ما نستدل له: أن عددا من السلف فسّر العذاب الأليم بالقتل المترتّب على إظهار الكفر والردّة، فانظر موسوعة التفسير بالمأثور (15/ 772 - 775) . فالله تعالى يحذرهم من أن استتارهم هذا بالنفاق قد لا يدوم كثيرًا، وأنهم قد يُفتضحون بالكفر، فيستحقون القتل لخيانتهم وردتهم.
ومعنى ذلك: أنهم لم يستحقوا العقوبة على مخالفتهم بالتسلل عن أمر الله ورسوله، وإنما يستحقونها إن أظهروا خيانتهم وكفرهم الصريح.