فبدءًا باضطهاد كفار مكة للمسلمين الأوائل، والذي استمر خلال الفترة المكية، مما اضطرّ معه المسلمون للهجرات المتوالية من مكة إلى الحبشة والمدينة. والذي انتهى بالفتح المبين والنصر المؤزّر الذي قامت على أركانه دولةُ الإسلام النبوية، ثم الخلافةُ الراشدة، ثم ممالكُ الإسلام منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم.
فحُقَّ لمن أرّخ للإسلام أن يجعل غاية الاضطهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - التي دعته لمفارقة وطنه في حادثة الهجرة: أولَ تاريخٍ لدولة الإسلام؛ لأن بلوغ ذلك الاضطهاد غايتَه، كانت نهايتَه، وبدايةَ الانتصار!
ومرورًا: بفتنة خلق القرآن، في مطلع القرن الهجري الثالث. والتي اضُّطهدَ فيها علماء الأمة وأئمة السنة، انتصارًا للمعتزلة، بتأييدٍ من السلطان وجنوده (بدءًا بالخليفة المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق) ، فسُجن العلماءُ وعُذِّبوا وقُتلوا، من أجل إجبارهم على اعتناق معتقدٍ بالقوة والإكراه (1) . فكان
(1) يقول الشيخ علي الطنطاوي (ت 1420 هـ) - رحمه الله: «وأنا كلما قرأتُ خبر المحنة [يعني فتنة القول بخلق القرآن] أقف عند أمور ثلاثة، وأعجب منها أشدّ العجب:
أولها: أن المعتزلة هم أصحاب المذهب العقلي في الإسلام، وفيهم اللَسَنُ والبلاغةُ وبُعْدُ النظر وسعةُ المعرفة، وإمامُهم ابن أبي دُؤاد من أجلّ رجال الإسلام فضلا ونبْلا، وبيانا وعقلا؛ فكيف سوّغَ لهم هذا العقلُ أن يُكرهوا الناسَ بالقوة على قبول آرائهم. =