عاقبة ذلك أن دارت الدائرة على المعتزلة في خلافة المتوكل، فنصر المتوكلُ المحدثين على المعتزلة (1) ، واضطهد المعتزلة، حتى إن رأس المعتزلة ابن أبي دؤاد (ت 240 هـ) عُزل عن القضاء سنة 237 ه، وصُودرت أملاكُه (2) ، ولما مات منكوبًا، لم يمكن دفنه إلا في بيته (3) .
وثانيها: أن المأمون (وهو أعظم ملوك بني العباس في عقله وخُلُقه وحِلْمِه، وفي سعة مداركه وعمق تفكيره، وإحاطته بعلوم عصره المنقولة والمترجمة) كيف رَضِيَ لنفسه أن يُوصَمَ بالعدوان على حرية الفكر؟! وكيف تَصَوّرَ أن الأفكار تَنْتَشِرُ بالقوة؟! إن السلطان يستطيع أن يُكرهَ الناسَ على أن يخرجوا من دورهم، ويبدّلوا ثيابَهم، ولكنه لايستطيع أن يكرههم على الخروج عن مبادئهم، وتبديلِ أفكارهم.
وثالثها: المسألة التي صارت مدار الخلاف، وهي مسألة لا تستحقُّ هذه العناية، وليست من أركان الدين، ولا أمرنا الله بها، ولا يسألنا يوم القيامة عنها، وهي: هل القرآن مخلوق أم لا؟». رجال من التاريخ (99 - 100) .
(1) انظر: تاريخ بغداد - ترجمة: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وترجمة: عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبي بكر ابن أبي شيبة - (2/ 344 - 345) (10/ 67) .
(2) تاريخ الطبري (9/ 188 - 189) .
(3) تاريخ الإسلام للذهبي (5/ 760 - 761) .