مسائلَ الاختلافِ المعتبر مقطوعًا فيها بقولٍ، دون دليلٍ يقينيٍّ يصح بناءُ القطعِ عليه (1) ، وحينما يتعاملون مع صاحب الاجتهاد المعتبر تعاملهم مع صاحب الاجتهاد غير المعتبر. وكما يفعله أيضًا الإقصائيون الذين يريدون الاستدلالَ على تبديعهم وتفسيقهم لمخالفيهم، وربما وصلوا إلى حدِّ تكفيرهم، بدعاوى مخالفة اليقينيات التي يدّعون لها اليقين، وهي ليست من اليقين في شيء. فإن هذا التوسعَ في دعاوى اليقين فيما ليس بيقينٍ مآلُه التشكيكُ في اليقيني الحقيقي، لأنه يُعِينُ على خلط اليقيني بالظني، مما يُسبِّبُ الشكَّ في اليقين آخرَ الأمر، بسبب هذا الخلط الجائر بين اليقين والظن.
وهؤلاء الذين يتوسّعون في دَعَاوَى اليقينِ هم أنفسُهم الذين ذكرتْهُم آيةُ المحكمات: ممن يتبعون المتشابه ابتغاءَ الفتنة؛ فإن من وجوه اتباعِ المتشابه ادعاءَ الإحكامِ لغير المحكَم؛ بل أيُّ اتباعٍ للمتشابه أشدُّ من ادعاءِ الإحكام له وإسباغُ هذا الوصف عليه وإنزالُه هذه المنزلة التي لا يستحقُّها.
ومن وجوه الخطر على فقه هذا الباب: عكسُ ما سبق، وهو: التوسُّعُ في دعاوى الاشتباه! فهو ضدُّ الخطر السابق، لكنه يخلُصُ إلى النتيجة نفسها!!
(1) وهذا ما حرصت كل الحرص على تجليته بوضوح وإتقان في كتابي (اختلاف المفتين) .