فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 174

فادعاءُ اليقينِ للظني وادعاءُ الظنِّ لليقيني كلاهما خطران يُهدِّدان إحكامَ المُحْكَم؛ لأنهما يُسبِّبانِ الالتباسَ والاشتبِاهَ، بين اليقين والظن، فَيَفْسُدُ بذلك اليقينُ والظنُّ كلاهما، وتستولي على النفس حالةُ الشك المطلق، التي هي - باسْتِشْرائها - حالةُ فسادٍ مطلقٍ للعقل والتفكير.

فإن اعتُرِضَ على موضوع يقينية أدلة المحكمات: بأن ما كان يقينيًّا عندك ربما كان ظنيا عند غيرك، وما تدّعيه ظنيا عندك يدّعيه غيرُك يقينيًّا، فَمِنْ أين يتبيّنُ اليقينُ من الظن إذا كان الحال كذلك (1) ؟

فسنجيب بقولنا: هذا الإطلاقُ الوارد في هذا الاعتراضِ إطلاقٌ غيرُ صحيح، فليس كل يقيني قابلا للاختلاف في يقينيته، وليس كل ظنيٍّ قابلا للاختلاف في ظنيته. فمن اليقين ما لا يقع في يقينيته اختلافٌ؛ إلا بنوعِ خللٍ لا يجعل لهذا الاختلاف المزعوم وزنًا، كمن أنكر الشمس في كبد السماء لعدم بصرٍ أو لعدم عقلٍ أو لعنادٍ يُخرج إنكارَه عن حَدِّ كلام العقلاء. وهناك ظنٌّ مقطوعٌ بظنيّته، كأمر لا مجال لبلوغ القطع فيه قطعا؛ إلا بنوعِ خللٍ من جنس خلل ادّعاء الظن في اليقين المقطوع في يقينيته. وهناك حالةٌ ثالثةٌ، ليست يقينًا

(1) انظر: التفسير الكبير للرازي (7/ 169 - 170) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت