فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 174

الفروع الظنية، لا مع الإقرار بظنّيتها، بل مع اعتقاد يقينيتها (1) . ولا شك أن من سلبيات هذه الخَلطِ بين الأصول اليقينية والفروع الظنية لتلك القيمِ الإنسانيةِ المُحكَمةِ لدى تلك الحضارات غيرِ الْمسلِمَة: أنه خلطٌ قد جعل أرضَ التشكيكِ في المحكمات أرضًا خِصبةً، تقبل بذور الشك، وتُنبت شجرةَ الباطل الخبيثة التي لا تعيش ولا تتمددُ فروعُها إلا على دعوى نسبيةِ الحق. ولذلك اشتدّ عُودُ تلك الفلسفات، والتي كانت على مرِّ التاريخ البشري من قبيل السفسطات والوساوس الممقوتة لدى عموم العقلاء، فإذا بها في الحضارة

(1) مثل أكثر حركات تحرير المرأة التي تسعى لتحريرها من الاضطهاد وانتقاص حقوقها، إذ إن بعض ما تسعى إليه هذه الحركات التحريرية هو اضطهادٌ حقيقيٌّ يجب السعيُ والتعاونُ على تحرير المرأة منه، ولكن بعضَه الآخر ليس كذلك، بل بعضُه اضطهادٌ مزعومٌ متوهَّم لا حقيقةَ له. فلا تقف هذه المنظماتُ والحركاتُ عند المطالبة بحقوقِ المرأة المقطوعِ بها وعند المطالبة بالعدالة اليقينية المتفّق عليها بين عقلاء بني آدم، بل تتجاوز ذلك إلى صُورٍ من المطالبات أقل ما يقال عنها: إنها محلُّ اختلافٍ، ويجب أن تُقبل فيها وجهاتُ النظر المتباينة؛ لأنها لا تعتمد في دعوى عدالتها على أدلةٍ يقينية، بل على أدلة ظنية. هذا إن لم تكن بعض تلك المطالبات باطلةً مقطوعًا ببطلانها إنسانيًّا، قبل أن تكون باطلةً بُطلانًا دينيًّا وشرعيًّا، ولا تتجاوز أن تكون أمزجةً وأذواقا وآراءً مأسورةً في ثقافتها وقيمها المتعالية - بكِبْرٍ وغرورٍ - على ثقافة الآخر وقيمه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت