بالشهادة ليس في قدرة الخلق، إنما هو من خصائص الخالق وحده - عزّ وجلّ -، يَهَبُها مَن يتفضَّلُ عليه مِن عباده.
فإن كان هذا هو الحال في أعظمِ يقينٍ: وهو يقينُ وجود الله تعالى، أنه لا يصح تعليقُ الإقرارِ بيقينيته (وتأخيرُ الإيمانِ به) حتى يبلغ يقينيةَ الأمورِ المُدرَكَةَ بالحواس، فما بالُك فيما هو دون هذا اليقين العظيم من اليقينيات؟!
ولذلك توجّهَ الخليلُ إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه - عزّ وجلّ - في طلب أعلى درجات اليقين في عقيدة الإحياء بعد الإماتة: توجّهَ إليه - عزّ وجلّ - أن يجعل له الغيبَ فيها شهادةً، بأن يُريَهُ عمليةَ إحياء الموتى بأم عينيه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] . وكان الخليلُ - عليه السلام - في ذلك خيرًا من صاحب القرية الذي وقع في نفسه استبعادٌ للقدرة على إحياء الموتى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259] ، ولذلك كان تعليمُ الله تعالى له فيه نوعٌ من تأديبٍ، لا كما وقع مع الخليل - عليه السلام -، فكان تعليم صاحب القرية مارًّا