القياس محل اختلاف بين العلماء، منهم من قبله وعمل به، ومنهم من ردَّه وأنكره، فما مثار اختلافهم فيه؟
هذا الكتاب يجيب عن هذا السؤال؛ ولذا فموضوعه يتلخص في البحث عن (أساس القياس) : أهو رأيٌ محضٌ يقابل التوقيف - حتى يقال: الشرع إما توقيف أو قياس - أم نوع خاص من أنواع التوقيف؟
قرَّر الغزالي - أولًا - أن الشرع كلَّه توقيف، وبنى على هذا أن كل قياس مقابل للتوقيف فهو باطل.
ثم بيَّن أن لفظ القياس مشترك بين معنيين:
1 -فقد يعبر به عن معني داخل تحت عموم التوقيف لكنه نوع خاص من أنواعه - وهو ما اقترن به فهم مقصود معقول - فهذا مقبول لا ينكر.
2 -وقد يفسر بأنه إلحاق الشيء بمثله - بسبب كونه مثلًا له فقط - فهذا باطل لا مدخل له في الشرع، وهذا هو الرأي المحض المقابل للتوقيف.
ولتقرير هذا قام الغزالي - بتفصيلٍ - بتتبُّع صور الإلحاق المعمول بها، ليُظهر في كل منها أن العمل جارٍ بالتوقيف لا بالقياس بمعناه الباطل، وأن من سمَّى ذلك قياسًا فالخلاف معه آيل إلى اللفظ.
ويظهر لي أن الغزالي كان يهدف من هذا التقرير إلى أمرين:
1 -الرد على منكري القياس المتذرعين بأنه رأي محض، «وأي سماءٍ تُظِلُّنا وأيُّ أرضٍ تُقِلُّنا إذا حكمنا في دين الله برأينا؟» ؛ فقد بيَّن في هذا الكتاب أن لا حكم بالقياس الذي هو رأي محض، بل كل ما عمل به - مما قد يسميه بعضهم قياسًا - هو توقيف، وأكد هذا في المستصفي حين قال [1] :
(1) ... انظر: المستصفي 2/ 238.