اعلم أن القول بالقياس في الشرع باطل إن كان القياس عبارة عن معنى يقابل التوقيف حتى يقال: «الشرع إما قياس أو توقيف» ، حاش [2] لله أن يكون كذلك، بل الشرع كله توقيف، والحكم من الشارع كالاسم في اللغة من الواضع، وكما ليس لنا أن نحكم على الواضع بالاسم بقياس عقولنا دون توقيفه فليس لنا أن نحكم على الشارع بإثبات الحكم - حيث لم يصرح بإثبات الحكم - إلا بتوقيفه وتعريفه بوجهٍ من وجوه التعريف وإن لم يكن بصريح اللفظ.
فإن فعلنا ذلك من غير استظهارٍ بمدرك من مدارك التعريف كنا واضعين للشرع من تلقاء أنفسنا، وأيُّ سماءٍ تُظلنا وأيُّ أرضٍ تُقلُّنا إذا وضعنا الشرع برأينا وعقلنا؟
وأما إن كان القياس عبارة عن معنى آخر هو داخل تحت عموم التوقيف، لكنه نوع خاص من أنواع التوقيف: فذلك مما لا نأباه، ولا يستطيع أحد من العقلاء أن يأباه، كما سنفصله.
وبالجملة: فلفظ القياس لفظ مشترك يطلق لمعنيين، يتوجه التشنيعُ على مَنْ يقول: إن القرآن مشتمل عليه بأحد المعنيين [3] ، دون الثاني [4] .
(1) ... راجع مسألة القياس في الشرعيات في: المنخول / 325، والمستصفي 2/ 234، والتمهيد 3/ 379، وروضة الناظر / 279، وأصول السرخسي 2/ 118، وكشف الأسرار 3/ 270، والمنتهي / 138، وشرح تنقيح الفصول / 285، وشرح اللمع / 760، والتبصرة / 424، والمعتمد / 724، والبرهان / 750، والمحصول 2/ 2/31، والإحكام للآمدي 4/ 24، والعدة / 1280، والإحكام لابن حزم / 931، وإحكام الفصول 531، والمغني لعبد الجبار 17/ 296، وشرح العمد 1/ 281، والتلخيص لإمام الحرمين / 168 ب.
(2) ... يقال: «حاش لله» ، أي: تنزيهًا له. انظر مختار الصحاح / 162 (حوش) .
(3) ... وهو ما ذكره في أول المسألة.
(4) ... فلا يتوجه التشنيع عليه.