المحدود، ووجوده على وجوده، وكذلك يدل عدم المحدود على عدم الحدّ، ووجوده على وجوده.
ومثال هذا الطريق من أقيسة الفقه: الاستدلال بثبوت المشروط على ثبوت الشرط، وبانتفاء الشرط على انتفاء المشروط، كقولنا: «إن ثبت أن هذا الشخص صلاتُه صحيحة فقد ثبت أنه متطهِّر، ومعلوم أن صلاته صحيحة، فيلزم الاعتراف بكونه متطهرًا» ، ولا شك في أن من يسلِّم الأصلين لا يمكنه النزاع في هذه النتيجة، وكذلك يمكن أن يقال: إن ثبت أنه غير متطهر فصلاته باطلة [1] .
ومثاله من العقليات قولنا: إن كان صنعة العالم صنعة محكمة مرتبة فصانعها عالم، ومعلوم أنها محكمة مرتبة، فيجب الاعتراف بأن صانعها عالم.
ومثاله قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [2] ، فهذا أصل، والأصل الثاني مضمر وهو أنه معلوم أنه لا فساد، فيلزم نفي الاثنين.
الخامس [3] : السبر والتقسيم: وذلك بأن ينحصر شيء في جهتين ثم يبطل أحدهما فيتعين الآخر، أو ينحصر في ثلاث، ثم يبطل اثنان فينحصر الحق في الثالث، أو يبطل واحد فينحصر في الباقيين [4] .
وهو أكثر أدلة البطلان، ولا يحتاج هذا إلى مثالٍ لظهوره ولشيوعه.
فهذه الطرق الخمسة هي الموازين للعلوم [5] النظرية، فما لا يتَّزن [7/ب] بهذه الموازين فلا يفيد [6] بَرْدَ [7] اليقين، وقد عرفت أنه ليس في واحدٍ منها قياس وردّ غائب إلى شاهد، وفهمت بهذا معني قولنا: «لا قياس في اللغة والعقل» ، وبقي أن تفهم معني قولنا: لا قياس في الشرع.
(1) ... انظر: المستصفي 1/ 41.
(2) ... سورة الأنبياء: آية 22.
(3) ... وهو ما يسمِّيه المنطقيون (القياس الشرطي المنفصل) ، ويسميه الغزالي - أيضًا - نمط التعاند. وقد تقدم ذكره في ص 20.
(4) ... في الأصل: الباقين.
(5) ... في الأصل: لعلوم.
(6) ... راجع: القسطاس المستقيم / 25.
(7) ... يقال: بَرَدَ الحقُّ على فلان: ثبت واستقر. انظر: لسان العرب 4/ 51، 52 (برد) . ولعل الغزالي أراد - هنا - اليقين الذي مع حصوله تبرد النفس وتستقر وتسكن.