يرتاب أحد في تحريمها، لكنه سلك طرقا وأساليب متعددة تدل على هذا التحريم [1] .
وكذلك يقال فيما أوجبه على الناس، فلم يكن عنوان الوجوب في كل هذه التشريعات، وعلى هذا الأساس جاء أمر الوحدانية، فقضية الوحدانية إذن لا تحتاج إلى أن تذكر هذه الكلمة بمادتها ومشتقاتها، وإنما يمكن أن تذكر أساليب متعددة يفهمها كل أولئك الذين يستمعون إلى هذه الأساليب، ويكونون على معرفة بها.
وإذا وقفنا مع الآيات الأولى التي نزلت، فإننا نجد في كل نص ما يثبت هذه الوحدانية بمضمونها إن لم يكن بمادتها، فالنص الأول: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، والنص الثاني يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (( 1 ) )قُمْ فَأَنْذِرْ (( 2 ) )وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (( 3 ) ) [المدثر: (1) - (3) ] والنص الثالث ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: (2) ] والنص الرابع: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: (3) ] ، كل هذه النصوص تعطي المستمع لأول وهلة انطباعا عن طبيعة هذا الدين، بل تؤكد له جوهر هذه الرسالة، ولهذا نجد هذه العبارة تكاد تكون في كل نص: (ربك) ، اسم الرب مضافا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ومعنى هذا أنه رب واحد، وأهل مكة أدركوا هذه الحقيقة، وهم الذين كانت لهم آلهة كثيرة.
ونزيد هذه القضية إيضاحا، فسورة الفاتحة يجمع الباحثون على أنها من أوائل السور نزولا، بل يذهب بعضهم إلى أنها أول سورة نزلت، وهي سورة تثبت الوحدانية في كل آية من آياتها إثباتا قاطعا حازما حاسما، فالحمد للّه وحده، لأنه رب العالمين، والعالم كل ما سوى اللّه مما هو علامة ودليل على وجود اللّه
(1) كصيغة النهي: «لا تفعل» ، أو وصفه بوصف تنفر منه النفوس، أو بيان أن اللّه لا يحبه.
انظر آية الربا في سورة البقرة [الآية: (275) ] ، وسورة الحجرات [الآية: (12) ] ، وغيرهما مثل:
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.