فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 276

و لقد سجل القرآن هذا: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (( 35 ) )وَيَقُولُونَ أَ إِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (( 36 ) )بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (( 37 ) ) [الصافات: (35) - (37) ] .

والتهمة بالجنون تهمة قديمة، كانت منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها النبي قومه، ودليل ذلك سورة (ن) : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (( 2 ) ) [القلم: (2) ] ، فهم يجمعون على أنها من أول الآيات نزولا، وأرجح الأقوال أنها نزلت بعد آيات العلق والمدثر. هذا الجنون إذن ما كان إلا من أجل دعوتهم أن يتركوا آلهتهم ويتبعوا إلها واحدا، أ فيقال بعد ذلك إن دعوة التوحيد كانت متأخرة في القرآن؟!

: لا ندري كيف تقبل هذه الدعوى وهي ما ورثته الموسوعة ونقلته عمن سبقها من المستشرقين وغيرهم، لا أدري كيف يتفق هذا القول مع ما جاء في القرآن من ذكر المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وها هو القرآن يحدثنا عن كل واحد منهم بأنه كان يدعو قومه إلى عبادة اللّه الواحد يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: (65) ] ، هذه هي دعوة الرسل جميعا، منذ نوح عليه السّلام أول هؤلاء الرسل إلى أقوامهم، والنبي ليس بدعا من الرسل كما جاء في القرآن الكريم: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: (9) ] ، ودعوة الأنبياء في هذا الأصل واحدة: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: (13) ] ، فكيف تذكر هذه الدعوة دعوة الأنبياء للتوحيد مبكرة في القرآن وتكون دعوة النبي إلى التوحيد متأخرة!

: إن أي سورة من السور الأولى تدعو إلى التوحيد بكل جزء من أجزائها، وليس كما قال بلاشير من أن أول سورة هي قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ، فإن هذه السورة سورة الإخلاص لم تأت للحديث عن الوحدانية بادئ بدء، وإنما جاءت - كما تقول الروايات - إجابة عن سؤال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «صف لنا ربك» .

وهذا ما يدل عليه محتوى السورة، سورة الإخلاص.

إذن ليست هي أول سورة جاءت تقرر الوحدانية، فالوحدانية مقررة من قبل، ولكنها جاءت ردا على تساؤل وتصحيحا لتصور خاطئ، ونظم السورة ومحتواها دالان على هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت