يكاد له ولأهله، ورغم الضغوط الداخلية والخارجية، رغم كل ذلك فهو يفرض وجوده على العقول التي تبحث عن الحق، والقلوب التي تهش للنور، وأين هذا كله مما جاء من ماني، وما جاء به؟، وها هو الواقع يؤكد صدق ما جاء به الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، فمع كثرة أولئك الذين ادعوا النبوة بعده، إلا أن أحدا منهم لم يثبت على ما ادّعاه، بل يصير أضحوكة يتندّر بها الناس، وليس ذلك بالطبع إلا لصدق الرسالة وصدق الرسول.
قول الموسوعة: «و في نهاية الفترة التي قضاها الرسول في مكة بدأ يظهر التغير في أسلوب القرآن، إذ بدأت الآيات تطول، ولغتها العنيفة تتحول إلى أسلوب نثري لطيف ... ثم هنالك أمثلة تضرب على المطر الذي يحيي الأرض بعد موتها تماما، كما يحيي اللّه الأموات يوم القيامة. ثم هنالك قصة البحارة الذين أخذوا على حين غرّة برياح عاصفة، ثم دعوا اللّه أن ينقذهم ثم نسوه بمجرد أن أنقذهم وفي ذلك إشارة إلى التقلب في طبيعة البشر» . ا ه.
إن دعوى التغاير بين الأسلوب المكي والمدني ليست جديدة، ولم تنفرد بها الموسوعة كذلك، وإنما هي كغيرها من هذه القضايا التي أثيرت حول القرآن، ولقد مر بنا طرف من هذا من قبل في القضية الخامسة والحقيقة أنه قد تأثر بهذه القضية بعض الكتّاب الذين تتلمذوا على أيدي المستشرقين وبخاصة في أوائل هذا القرن، وعلى التحديد في العشرينات، كما فعل طه حسين، فانبرى كثير من علماء المسلمين للردّ على ما جاء به [1] .
لقد قلت من قبل: إن أسلوب القرآن من الناحية البلاغية، وعلوّ شأنه من حيث النظم لم يتغير في مراحل نزوله كلها، ولكن طبيعة الموضوع الذي يعرض
(1) الشيخ محمد الخضر حسين، محمد عرفة، محمد الغمراوي، مصطفى صادق الرافعي.