أحكامه، وإنسانيته في تشريعاته. فلم يذكر كثيرا مما فعله اليهود وخرجوا به عن الجادّة المستقيمة.
والحقيقة أن نظرة القرآن لليهود لم تتغير؛ لأنه كتاب اللّه، واللّه لا يحابي أحدا من خلقه، وإذا نحن تدبرنا حديث القرآن في العهد المكي وجدناه يفصل لنا كثيرا عن صفاتهم، كصفة الاختلاف، ونبذ العلم، وجحد النعم، والانحراف عن عقيدة التوحيد، والتنكر للأنبياء، كل هذا نجده في القرآن المكي مبثوثا في سور متعددة.
ففي سورة الأنعام المكية يبين القرآن ما حرّم عليهم، وأن هذا التحريم إنما كان جزاء لهم على بغيهم وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ[آية:
(146) ]، ثم يقول اللّه بعد ذلك في الآية نفسها ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ [آية: (146) ] .
وفي سورة الأعراف يحدثنا القرآن الكريم حديثا مستفيضا عنهم وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ... إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (( 170 ) ) [الآيات: (137) - (170) ] وفي هذه الآيات يبين القرآن انحرافهم عن العقيدة، حتى في الوقت الذي لم تجف أرجلهم فيه من الماء بعد إغراق فرعون، حينما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، وكان من الإنصاف والواجب أن يحاربوهم، وإلا فليعظوهم، وهذا أقل ما يمكن. ولكنهم قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، كما حدثنا القرآن في هذه الآيات عن اتخاذهم العجل وحدثنا كذلك عن تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم، كما حدثنا عن اعتدائهم في السبت، وحدثنا عن نسيانهم ما ذكروا به، وعن عتوهم، كما حدثنا عما تأذن به ربنا ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب وحدثنا كذلك عن تقطيعهم في الأرض، وعن أخذهم العرض الأدنى، وركونهم إلى الدنيا، وعن نبذهم الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم.