وها أروقة العلم، ولا أي سجل من السجلات المنهجية، يقول الأستاذ موريس بوكاي في كتابه «القرآن والكتب المقدسة» :
«يقول الأستاذ حميد اللّه، توجد اليوم بطشقند وإستامبول نسخ تنسب إلى عثمان، وإذا نحينا جانبا ما قد يكون من أخطاء النسخ، فإن أقدم الوثائق المعروفة في أيامنا والتي وجدت في كل العالم الإسلامي تطابق كل منها الأخرى تماما.
كذلك الأمر أيضا بالنسبة للمخطوطات التي في حوزتنا في أوروبا [توجد بالمكتبة الوطنية بباريس قطع يرجع تاريخها، حسب تقدير الخبراء، إلى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين أي إلى القرنين الثاني والثالث من الهجرة] . إن هذا الحشد من النصوص القديمة المعروفة متطابق كله فيما عدا بعض النقاط الطفيفة جدا التي لا تغير شيئا من المعنى العام للنص، برغم أن السياق قد يقبل أحيانا أكثر من إمكانية للقراءة، وذلك يرجع إلى أن الكتابة القديمة أبسط من الكتابة الحالية» [1] .
وهذا تصديق للآية الكريمة: إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: (9) ] .
إن القرآن كما يقول بعض العلماء المنصفين من الأوروبيين، إن جرّد من الشكل والتنقيط وبعض التعليقات عند أول كل سورة من كونها مكية أو مدنية ومن ذكر عدد آياتها، يكون تماما هو القرآن الذي أنزل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم.
وعلى هذا فإن ما جاء في الموسوعة من أن القرآن كان يكتب بعضه في بعض المناسبات قول ينقصه التوثيق، وتعوزه الأدلة، وهناك مصدران كما قلنا من قبل لا يتطرق إليهما شك: مصدر الحفظ في الصدور، ومصدر الكتابة في السطور، وسيظل كذلك مهما كانت المحاولات المبذولة، والحجج السقيمة المعلولة، وسيظل هذا الدين محفوظا في كتابه، وصدق اللّه: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (( 41 ) )لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (( 42 ) ) [فصلت: (41) - (42) ] .
(1) «الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» ص (156) .