إن كون أسلوب القرآن مشابها لأساليب الكهنة والمنجمين من قبل أمر لم يقبله العرب الذين لم يكونوا أقل حقدا ولا أقل كراهية للإسلام ممن جاء بعدهم بعامة ومن كتّاب الموسوعة بخاصة، وها هو الوليد وعتبة بن ربيعة وغيرهما يردون بكل حزم، ويرفضون بكل إنصاف، أن يكون أسلوب القرآن مشابها لأسلوب الكهان وسجعهم، ولقد روت لنا كتب الأدب والتاريخ شيئا من هذا السجع، أعني سجع الكهان والمنجمين، وهذه الأخبار على كثرتها لا يرتاب منصف أعطي حظا يسيرا من التمييز بأن أسلوب القرآن ونظمه لا يجوز أبدا أن نقارنه بما جاء عن أولئك الكهان؛ ولذا فلقد كانت جرأة العرب على وصف القرآن بأنه شعر أكثر من جرأتهم على وصفه بأنه سجع كاهن؛ وذلك لأن للشعر تأثيرا على النفس، ولكن سجع الكهان لم يجد من آذان العرب وقلوبهم هذا التأثير الذي كان للشعر، ويدلنا على ذلك أن الآيات التي نفت الشعر عن القرآن أكثر بكثير من تلك التي نفت عنه أنه قول كاهن، قال سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (( 38 ) )وَما لا تُبْصِرُونَ (( 39 ) )إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (( 40 ) )وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (( 41 ) )وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (( 42 ) ) [الحاقة: (38) - (42) ] .
والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يزجر هذا الذي حاول أن يقلد الكهان في قوله: يا رسول اللّه كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل [1] ؟ فمثل ذلك يطل [2] ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنما هذا من إخوان الكهان. من أجل سجعه الذي سجع» [3] .
(1) ولا استهل: ولا صاح عند الولادة ليعرف به أنه مات بعد أن كان حيا.
(2) يطل، أي يهدر ولا يضمن.
(3) رواه الإمام مسلم، كتاب القسامة، باب (( 11 ) )دية الجنين، حديث (1681) .