لقد حاول الشيخ محمد عبده ومدرسته، أن يبينوا للمسلمين أن القرآن كتاب هداية، ولا يمنع هذا أن تكون فيه إشارات علمية تنسجم مع حقائق العلم الثابتة، ولكن دون تكلف ودون التواء.
أما ما جاء في الموسوعة من تفسير الجن بالميكروبات، ومن تفسير قوله:
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ بنظرية داروين فهو قول تعوزه الدقة، ويتطلب مناقشة وتصحيحا.
فأولا: إن أمر الجن لا يرتاب فيه مسلم، فهناك عالم الإنس وعالم الجنّ، وكل ما قاله الشيخ إننا لا يجب أن ننكر وجود الجن ونجحد الاعتراف بهذا العالم الخفي عنا لعدم رؤيتنا له، ومثّل لذلك بالميكروبات، فإنها رغم وجودها منذ القدم إلا أنها لم تكتشف إلا في عصر متأخر، أ يكون عدم معرفة الناس لها قبل اكتشافها دليلا على عدم وجودها؟! هذا ما أراد أن يقوله الشيخ، وهو كما يظهر لنا إقامة للحجة والدليل على وجود الجنّ، وليس معناه أن الشيخ يفسر الجن بالميكروب.
وأما ثانيا: فإن الشيخ لم يفسر قوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ بنظرية داروين، وهذا لم يخطر ببال الشيخ أبدا، ولم يخطر ببال غيره كذلك، كل الذي قاله الشيخ رشيد رضا في «تفسير المنار» عند تفسير قوله سبحانه: وَلَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: (251) ] ، وهي تلي الآية السابقة؛ قال: «دفع اللّه الناس بعضهم ببعض من السنة العامة وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء، ويقولون إن الحرب طبيعة في البشر لأنها من فروع سنة تنازع البقاء العامة.
وأنت ترى أن قوله تعالى: وَلَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ليس نصا فيما يكون بالحرب والقتال خاصة، بل هو عام لكل لنوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة، ويظن بعض المتطفلين على علم السنن في الاجتماع البشري أن تنازع البقاء الذي يقولون إنه